ثلاث قوى عظمى تمسك بالشرق الاوسط

تم نشره في الأربعاء 24 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

معاريف

د. عوفر يسرائيلي

الشرق الاوسط، الذي يقع من المغرب حتى افغانستان ومن تركيا حتى اليمن، شكل منذ فجر التاريخ ساحة صراع بين القوى العظمى. وفي العصر الحديث أيضا، فإن الهلال الخصيب ومحيطه هي مناطق ذات أهمية جغرافية استراتيجية للقوى العظمى العالمية أو تلك التي تسعى إلى الارتفاع إلى مكانة عالمية.
لقد تميزت فترة رئاسة بوش الابن بتدخل أميركي عميق في المنطقة، بما في ذلك المبادرة إلى حربين في افغانستان وفي العراق. اما من واصل دربه اوباما فبقدر كبير هجر المنطقة في الوقت الذي وسعت فيه روسيا والصين تدخلهما فيها. ويتصدر ترامب تسللا أميركيا متجددا إلى المنطقة، سرعان ما سيخلق مثلثا من القوى العظمى في الشرق الاوسط، يتشكل من الولايات المتحدة، روسيا والصين، التي ستتنافس فيما بينها على الارض والنفوذ، على المقدرات الطبيعية والمرابح الاقتصادية، وعلى زيادة القوة العسكرية وكسب الحلفاء.
روسيا بوتين هي قوة عظمى فقيرة ولكنها مسلحة جيدا، تسعى إلى شق طريقها عائدة إلى الساحة العالمية. يبدو ان موسكو تقيم استراتيجيتها على اساس نظرية القوة البرية التي طورها الباحث البريطاني مكندر في بداية القرن العشرين. وتدعي النظرية بان قوة عظمى تطلب لنفسها مكانة عالمية ملزمة بان توسع سيطرتها في مناطق ذات اهمية جغرافية استراتيجية لزمانها، في داخلها. اليوم يدور الحديث عن أوروبا وعن الشرق الاوسط. بسبب قيودها الاقتصادية تعمل موسكو بثلاثة اشكال: التوسيع في دول مرعية لها سابقا في الشرق الاوسط (مثل سوريا وفي المستقبل ربما ليبيا) وقتال سايبر زهيد الثمن لتحقيق مصالحها العالمية (مثلما يبدو أنها فعلت في الانتخابات الاخيرة في الولايات المتحدة وفي فرنسا).
أما الصين بالمقابل فهي قوة عظمى غنية جدا تنقصها قوة عسكرية ذات مغزى. وفي طريقها إلى المكانة العالمية تعمل بكين في ضوء استراتيجية صبورة وبعيدة المدى. يبدو ان واضعي السياسة الصينية اختاروا تبني نظرية القوة البحرية التي طورها الباحث الأميركي ميهن في نهاية القرن التاسع عشر، ولكن مع التعديلات اللازمة. فبينما تدعي النظرية بان القوة العظمى التي تتطلع إلى رفع مستواها العالمي ملزمة بان تحتفظ بمسارات التجارة البحرية العالمية والدفاع عنها، تعمل الصين بشكل مختلف: قبل تطوير قوة بحرية قوية تستثمر بكين مئات مليارات الدولارات في بناء بنية تحتية في عشرات الدول في ظل التقدم في شراء وبناء موانئ تجارية على طول خطوط التجارة البحرية الدولية.
مثل شراء ميناء تجاري في اليونان يعمل اليوم بملكية صينية. لم تطور الولايات المتحدة ترامب حتى الان وتعرض سياسة عالمية شاملة. يبدو ان الادارة الجديدة تتبنى بالتدريج سياسة متداخلة: الولايات المتحدة تسمح بالفاعلية العسكرية الروسية والفاعلية الاقتصادية الصينية في الشرق الاوسط. وبالتوازي تصعد واشنطن جهودها في عدد من الجبهات: تعزيز العلاقة مع حلفائها التقليديين (مثل مصر والسعودية، اليابان وكوريا الجنوبية)، بذل جهود لحل النزاع العربي الإسرائيلي وازالة التهديد الاستراتيجي المحدق بكوريا الشمالية. وكذا بث احساس بالقوة عموم عالمي، سواء في المحيط الهادئ (مقابل كوريا الشمالية) أم في الشرق الاوسط (مثل القصف الأميركي في سورية) بعد استخدام النظام بالسلاح الكيميائي ضد المواطنين في محافظة ادلب والقاء "ام كل القنابل" على معقل داعش في افغانستان).
ان مثلث القوى العظمى في الشرق الاوسط والذي يتطور بالتدريج هو تحد للسياسة الخارجية الإسرائيلية. حتى وقت قصير مضى كانت إسرائيل مطالبة بان تدير سياستها الخارجية الاقليمية في ظل التعاون مع واشنطن وحدها، ولكن التغيير الذي يلوح في المجال سيلزم القدس بان تتعاطى أيضا مع الاعتبارات الامنية لموسكو وكذا الاعتبارات الاقتصادية لبكين. صحيح أن المثلث من القوى العظمى الناشئ يخلق تحديا كبيرا لإسرائيل، ولكن بالتوازي يوفر لها فرصا عديدة لتحسين مكانتها الاقليمية.

التعليق