موفق ملكاوي

قلعة الكرك: واقع لا يسر

تم نشره في الأربعاء 24 أيار / مايو 2017. 12:05 صباحاً

قبل أسابيع قليلة، زرت قلعة الكرك، وتجولت في بعض مرافقها. كانت زيارتي الأولى لهذا المعلم التاريخي المهم، وقد اندهشت كثيرا من مساحتها الهائلة والتقسيمات الكثيرة داخلها، وأيضا من الإمكانيات الكبيرة التي تشتمل عليها القلعة، والتي تجعلها فريدة بكثير من المقاييس.
لكن هذه الفرادة لا يقابلها أي عمل من الجهات المعنية على أرض الواقع للاستفادة بشكل عملي ومدروس منها؛ فالقلعة تكاد تكون مهملة، وأعمال الترميم غير منتهية، بينما الواجهات شبه مهدمة، والحجارة بمختلف الأحجام متناثرة في كل مكان.
أما البرامج الرسمية لتسويق القلعة ووضعها على خريطة السياحة، فتكاد تكون معدومة، فالمسؤولون يعتمدون على الحظ الذي قد "يرمي" بالسائحين نحو القلعة، وهي مكان يفتقد إلى جميع ما يمكن أن يجعل السائح يفكر في العودة إليها من جديد لو حصل و"أخطأ" في زيارتها مرة.
إن مكانا أسطوريا مثل قلعة الكرك ينبغي أن يكون واقعه مغايرا تماما عما هو اليوم، ويجب على المسؤولين البدء بتسويقها باعتبارها "سلعة"، وأن يخرجوا من النمط الذي حكم عملهم وخططهم وتفكيرهم في التسويق السياحي لعقود طويلة، بينما هم ينتظرون أي مشجب ليعلقوا عليه أسباب الفشل المتكرر والإخفاقات الدائمة في هذا القطاع الحيوي المهم، والذي من الممكن أن يسهم بفاعلية في رفع الناتج الإجمالي، والحد من نسب الفقر والبطالة، خصوصا عند استهداف مجتمعات معينة بمشاريع خاصة تلائم البيئات المحلية.
إن أعمالا كهذه يلزمها تغيير البنية الفكرية والثقافية للفريقين معا؛ الجهات الحكومية والمجتمع، إذ ما يزال المسؤول غارقا في الخطط والبرامج التسويقية التقليدية نفسها منذ عقود، وترفض عقليته التفكير في السياحة كصناعة احترافية يلزمها خطط وتفكير غير تقليدي.
في الأثناء، كذلك، ينبغي العمل على ثقافة المجتمع الذي ما يزال ينظر بريبة إلى السوق السياحية، ويعتبر أن جلها يمكن أن يكون من باب "الإفساد". هذا الأمر مفهوم حين لا يكون هناك ربط مباشر بين السياحة كصناعة، وبين المجتمع المحلي الذي لا  يلمس المنافع الخاصة التي تدرها عليه هذه الصناعة، ومن دون ذلك لن يكون هناك أي نجاح لأي تفكير.
القلعة، بما يمكن أن تكون عليه بعد بعض عمليات الترميم البسيطة، وتنظيف مسالكها، يمكن التفكير باستهدافها ببرامج تسويقية لتكون مركزا رئيسيا لتصوير العديد من المسلسلات والأفلام التاريخية العربية، أو حتى من الممكن أن تكون هدفا لعاصمة السينما العالمية هوليوود، خصوصا مع وجود السهول الفسيحة بالقرب من الجبل الذي ترتفع القلعة فوقه.
أمر كهذا، من الممكن أن يعمل على تشغيل مئات الأيدي العاملة من المنطقة، كما يمكن أن يؤدي إلى حراك تجاري في المدينة، والتفكير بأنماط جديدة من الإنتاج والتجارة، ما سينعكس إيجابيا على حياة المجتمع المحلي، أو قد يعمل على جعل المدينة منطقة مستقطبة للأيدي العاملة بدل أن تكون بيئة طاردة للعمال والكفاءات.
الخطط التي توضع للتسويق السياحي، وعلى مدار عقود طويلة، ظلت مجرد ذر للرماد في العيون، ولا تنطلق من الخصوصيات المكانية، بل توضع كحزمة واحدة، بينما الأجدى أن يتم النظر في كل مكان على حدة، وبعدها وضع خطط تسويقية مناسبة.
التسويق السياحي يحتاج إلى عقول منفتحة ومطلعة على ما هو معمول به في العالم، وإنجاح هذا الأمر يحتاج إلى العمل على البنية الثقافية للمجتمعات، وربط البرامج السياحية بالمجتمعات المحلية، لكي يلمس المواطن الأثر الإيجابي لها، ويصبح مدافعا عن استمراريتها، لا أن تكون مجرد "كليشيهات" معادة، وخطط مكرورة نجدها، نفسها، في أدراج المسؤولين منذ سبعينيات القرن الماضي.

التعليق