محمد أبو رمان

الإسلام السياسي الجديد! (3-2)

تم نشره في الخميس 25 أيار / مايو 2017. 12:09 صباحاً

تحدثنا أمس عن التحولات الجوهرية (التي ناقشناها في مؤتمر مستقبل الإسلام السياسي في إقليم مضطرب، الذي عقدته مؤسسة فريدريش أيبرت في عمان أول من أمس) التي أفضت إلى الاتجاه نحو "مراجعات" متعددة المستويات، وصلت إلى مرحلة متقدمة في الحالتين؛ التونسية والمغربية، وأقل درجة في حالات أخرى؛ كحماس والأردن ولبنان.
الاتجاه العام للمراجعات يتمثل بسياق فصل الدعوي عن السياسي والتحول إلى أحزاب سياسية مدنية محترفة، والتحول عن شعار الإسلام هو الحل، والتسييس والبرامجية، وموجة الانفصالات عن جماعة الإخوان المسلمين الأم في الوثائق الجديدة للإسلاميين.
يبدو هذا التوجه مشجّعاً ومحفّزاً للتحولات الديمقراطية وتفكيك إشكاليات مرتبطة بالإسلام السياسي في العالم العربي، لكنّه في الوقت نفسه يطرح إشكاليات أكثر عمقاً متقدمة على ما سبق، ولعلّ أبرزها يتمثل في هوية الأحزاب الجديدة التي تخلت عن شعاراتها الإسلامية وجزء كبير من أيديولوجيتها الإسلامية، واستبدال الدولة الديمقراطية التعددية بحلم ويوتوبيا "الدولة الإسلامية"، الذي حكم الإسلاميين خلال العقود السابقة، فما هو الفرق، إذاً، بين الأحزاب الجديدة، التي أخذت تعيد تعريف نفسها من أحزاب إسلامية إلى وطنية ذات مرجعية إسلامية (أو حتى من دون الإشارة إلى المرجعية الإسلامية كما ذكر غيث القضاة متحدثاً عن حزب الشراكة والإنقاذ تحت التأسيس) وبين الأحزاب الأخرى، التي تصنّف نفسها بأنّها علمانية؟
هل سيكون الفرق بأنّ الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية ستكون محافظة دينياً، مثلاً، فتركز على موضوع الأخلاق العامة مثلاً وحمايتها، كأيّ حزب سياسي محافظ، وربما شبيه بالأحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب؟
وإذا فرضنا التحول الجوهري الكبير في هوية وشعارات تلك الأحزاب عبر إعادة هيكلة الخطاب الأيديولوجي، كما حدث سابقاً مع العدالة والتنمية في تركيا، فبماذا ستتميز تلك الأحزاب برامجياً، هل الرهان مثلاً على "الحكم النظيف" أي ممارسة سياسية أكثر نقاءً وحاكمية رشيدة مقارنة بالنخب الحاكمة الآن؟
بالعودة إلى التجارب التونسية والمغربية فإنّ السنين السابقة لم تحمل أي تغيير حقيقي في الواقع الاقتصادي الخدماتي مقارنةً بين الإسلاميين والآخرين، وقد تكون المشكلة مرتبطة بوصول الظروف الاقتصادية والمالية في تلك الدول والأزمات الداخلية إلى مرحلة صعبة وحرجة تجعل أي تغييرات ملموسة مستبعدة حالياً؟
وإذا فقد الإسلاميون الأدوات التقليدية في الخطاب، التي كانت تحشد الشارع خلفهم، في شعارات الإسلام هو الحل والهوية الإسلامية والطوباوية الإسلامية لحل المشكلات الراهنة، فبماذا سيكتسبون المؤيدين ويجمعون الأنصار ويخوضون الانتخابات في ظل التزامهم ببرامج اقتصادية شبيهة بما هو قائم، مرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟!
إذا نظرنا إلى تجربة العدالة والتنمية في تركيا فقد نجحت في تقديم أنموذج أقرب إلى "العلمانية المحافظة"، بعد أن أعاد الحزب هيكلة شعاراته وأولوياته، وتحول بالفعل إلى حزب سياسي مدني بالكامل، لكنه نجح في تجربة الحكم بصورة استثنائية، ونقل تركيا من أوضاع خطيرة إلى دولة أفضل حالاً بكثير في الجوانب الاقتصادية والخدماتية ومكافحة الفساد، خلال فترة قصيرة من حكمه.
بمقارنة ذلك بالحالتين المغربية والتونسية، فإنّ الإسلاميين لم يحققوا أي إنجازات اقتصادية وخدماتية، بل يواجهون اليوم في تونس والمغرب تحديات عاصفة، وقد يعود ذلك – كما ذكرنا في مقالة أمس- إلى أنّهم عملياً لم يحكموا بصورة جدية، بقدر ما إنّهم كانوا شركاء في الحكم، وبقيت الدولة العميقة والمؤسسات السيادية فاعلة وقوية، بينما اكتفى الإسلاميون بمناورة تلك المؤسسات تجنباً للسيناريو المصري، أي الإطاحة بهم عبر الجيش.
إذا كان الإسلاميون في تونس والمغرب نجحوا في تجنب الصدام والمواجهة، وقدّموا تنازلات، إلاّ أنّ ذلك سلاح ذو حدين، كما سنذكر غداً..

التعليق