%13 من القدس ما تبقى للفلسطينيين

تم نشره في الخميس 25 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 25 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً
  • جنود اسرائيليون يعتدون على فلسطيني حاول منعهم من دخول بوابة دمشق في القدس المحتلة أمس - (ا ف ب)

نادية سعد الدين

عمان- ألحق الاحتلال الإسرائيلي، ضررا فادحا بمعالم القدس خلال نصف قرن من انتزاعها كاملة في عدوان حزيران(يونيو) 1967، إذ لم يتبق للفلسطينيين بفعل مخططات التهويد الممنهج سوى 13 % من مساحتها، ما يجعل مستحيلا إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.
ويحتفي الاحتلال في هذه الأيام بذكرى استلاب شرقي القدس، العام 1967، التي باتت، ضمن الحسابات الإسرائيلية، خارج معادلة التقسيم، سعيا لإقامة ما يسمى "القدس الكبرى" التي تضم ما بين 2- 3 ملايين مستوطن يهودي، وفق مخطط 2050، الذي لا يجد المواطنون الفلسطينيون مكانا فيه.
ونشطت معاول سلطات الاحتلال، منذاك، لقلب موازين القوى الجغرافية والديمغرافية في القدس المحتلة بهدف "رسم" مصيرها بسياسة "استباقية" بديلة عن "الوضع النهائي" وليس حلا يدرج في إطار تسوية شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي.
واستهدفت، عبر الاستيطان وقضم الأراضي وهدم المنازل وتهجير السكان، عزل القدس عن بقية أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتشتيت نسيجها المجتمعي وتقطيع أوصالها بجدار الفصل العنصري والحواجز العسكرية، وتفريغها من مواطنيها، بهدف تهويدها وطمس هويتها ومعالمها العربية الإسلامية، تحت مزاعم "العاصمة الأبدية والموحدة لدولة إسرائيل".
بينما اتخذت سلطات الاحتلال من البعدين التعليمي والاقتصادي سندا للتغلغل بين مفاصل المجتمع المقدسي المقاوم، عبر خلخلة النظام التعليمي ومنع مساعي تحسينه وانتشاره، ومحاولة "كي" الوعي الجمعي بالإغراق في إرهاصات الوضع الاقتصادي المتدهور على حساب المطالبة الحقوقية الفلسطينية.
من جانبه، يرى مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق بالقدس المحتلة، خليل التفكجي، أن "سلطات الاحتلال اعتمدت، منذ العام 1967، على عاملي الديمغرافيا والجغرافيا لاستلاب القدس، عدا إقامة البؤر الاستيطانية واستهداف البنية التحتية، بالسكك الحديدية والطرق الالتفافية لربط المستوطنات بالمدينة المحتلة".
وأضاف التفكجي، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، أن "الواقع القائم حالياً يجعل من المستحيل معه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، التي لم يتبق من مساحتها بيد الفلسطينيين سوى 13 %، بعدما قضم الاحتلال 87 % من أراضيها، بشكل مباشر وغير مباشر".
وأوضح بأن هناك "زهاء 650 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية، بينما تتغلغل المستوطنات بين الأراضي والمدن والقرى الفلسطينية بشكل يصعب اتصالها ببعضها ببعض، إلا في حالة إزالة المستوطنات وتفكيكها كلياً".
وأفاد بأن "مشروع 2050 يقضي بإقامة أكبر مطار إسرائيلي في منطقة البقيعة/ النبي موسى، وتوسيع المستوطنات حتى البحر الميت، وإقامة السكك الحديدية لربط القدس بالأغوار، واستقطاب 12 مليون "سائح" مقتحم".
ونوه إلى استهداف "زيادة عدد المستوطنين في القدس المحتلة إلى 2-3 ملايين مستوطن، ضمن ما يسمى "القدس الكبرى"، التي تضم، أيضا، الكتل الاستيطانية الكبرى، مثل "معاليه أدوميم" و"غوش عتصيون".
  حال القدس عبر خمسين عاما
تطوق، اليوم، 15 مستوطنة ضخمة، تضم زهاء 200 ألف مستوطن، المدن والقرى والبلدات العربية في القدس المحتلة، عبر امتدادها على ثلث مساحة الأراضي التي تمت مصادرتها منذ العام 1967، وتقطيع أوصال أحياءها بثماني بؤر استيطانية يقيم فيها 2000 مستوطن بين منازل المواطنين المقدسيين.
بينما "يزاحم" حوالي "4 آلاف مستوطن يهودي، ضمن أربع كتل استيطانية و56 وحدة استيطانية، لنحو 33 ألف مواطن فلسطيني داخل البلدة القديمة، التي لا تتجاوز مساحتها كيلو متر مربع واحد"، وفق دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية.
وطبقا لمعطياتها؛ "يلتف جدار الفصل العنصري حول القدس بطول 142 كم، مسنوداً بنحو 12 حاجزا عسكريا لتعقيد حياة المقدسيين وفصلهم عن نسيجهم المجتمعي الفلسطيني، فضلا عن طرد أكثر من 100 ألف مواطن فلسطيني خارج الجدار".
ولفتت، في تقرير صدر حديثا، إلى "قيام الاحتلال بهدم زهاء 1120 منشأة وإغلاق 88 مؤسسة وطنية فلسطينية ومصادرة 14621 بطاقة هوية منذ عدوان 1967".
بينما "تسببت سياسته في ارتفاع نسبة الفقر وضرب الاقتصاد والحركة التجارية واستهداف الأطفال المقدسيين، الذي يعيش 82 % منهم تحت خط الفقر، ويتسرب 40 % من طلبة المرحلة الثانوية من المدارس"، بحسبها.
التعليم على وقع التهويد
عمدت سلطات الاحتلال، منذ العام 1967، إلى تهويد التعليم في مدارس شرقي القدس، قانونيا وإداريا وعمليا، عبر سن القوانين العنصرية، وإلغاء العمل بقانون التعليم الأردني، وفرض المنهاج الإسرائيلي، وإغلاق المدارس والطرد والاعتقال، بهدف طمس الهوية العربية الفلسطينية وإحكام السيطرة على القدس وقطع صلتها بالمحيط الفلسطيني.ومع تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، في العام 1994 بموجب اتفاق "أوسلو"، فقد تسلمت مسؤولية التعليم بمختلف مستوياته في الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء القدس، حيث استلمت مدارس الأوقاف فقط، أما المدارس الخاصة ومدارس وكالة الغوث الدولية فقد تبنت الرؤية العامة الفلسطينية، رغم انتفاء ما ينص بتبعيتها القانونية للسلطة الفلسطينية.في حين ظل المنهاج الأردني، الذي أعيد إعادة تطبيقه على مراحل، يدرس في مدارس الأوقاف والمدارس الفلسطينية الخاصة ومدارس وكالة الغوث في شرقي القدس المحتلة.
أما في مدارس المعارف والبلدية فقد حذفت سلطات الاحتلال شعار السلطة الفلسطينية عن أغلفة الكتب وفرضت تدريس اللغة العبرية وتاريخ "إسرائيل"، وشوهت الحقائق الجغرافية والتاريخية ومتعلقات العقيدة الإسلامية والإرث العربي الحضاري داخل المنهاج.
وعلى الرغم من محاولة الوزارة الفلسطينية دعم مدارس شرقي القدس، حيث يوجد 230 مدرسة، باستثناء المدارس التي تشرف عليها وزارة المعارف والبلدية الإسرائيلية، تضم 68.661 طالبا وطالبة، وفق المعطيات الفلسطينية، إلا أنها تصطدم، دوما، بتحديات قطاع التعليم الناجمة أساسا عن سياسة الاحتلال الرامية إلى بسط السيطرة عليه وتطويعه في خدمة مصالحها التهويدية.
وقد طالت السيطرة الإسرائيلية عناصر التدخل في مناهج التعليم بالمدارس العربية وحذف أية إشارة معادية للحركة الصهيونية، ومنع تداول الكتب التي تتحدث عن المجتمع العربي في فلسطين، وعرقلة تنظيم الأنشطة المدرسية، أو منعها، من اجتماعات وفعاليات ثقافية ورياضية، وإغلاق المدارس والجامعات ولجوء جيش الاحتلال إلى استخدام القوة لقمع أي محاولة اعتراض من قبل الطلبة.
فيما أقعدت سياسة الاحتلال العنصرية "نحو 10 آلاف طالب مقدسي عن الدراسة، من إجمالي 93 ألف طالب يتلقون تعليمهم في مدارس شرق القدس، وأنهت مسار التعليم الثانوي لنحو 40 % منهم للالتحاق مبكرا بسوق العمل إزاء الوضع الاقتصادي الخانق، الذي أوجد نحو 95 ألف طفل مقدسي تحت خط الفقر"، وفق دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير.
كما تسببت في ارتفاع نسبة التسرب من المدرسة بين صفوف الطلبة المقدسيين إلى حوالي 50 %، بهدف استيعابهم في سوق العمل الإسرائيلي بأياد عاملة رخيصة، وتشجيع تغلغل المظاهر السلبية بين صفوفهم الشابة، التي تشكل نحو 55 % من المجتمع المقدسي، مثل تعاطي الكحول والمخدرات.
في حين يضطر 20 ألف طالب مقدسي لاجتياز الحواجز العسكرية يوميا من أجل الالتحاق بمدارسهم في الجانب الآخر من مدينتهم المحتلة، بعدما طردهم الاحتلال خارج جدار الفصل العنصري، الذي امتدت تأثيراته، مع الحواجز العسكرية المتنقلة والثابتة، صوب إرباك العملية التعليمية وعرقلة مسارها.
وتطل إشكالية البنية التحتية بظلالها الثقيلة في ضعف توفير المستلزمات والأدوات المدرسية، والأبنية المستأجرة، ونقص الكادر التعليمي والغرف الصفية، ما يفرض ضغوط الاكتظاظ الطلابي وحرمان بعض الطلبة من الالتحاق بالمدارس نتيجة غياب مقاعد شاغرة، مما يؤثر سلبا على أدائهم الدراسي وتحصيلهم العلمي.        
الاقتصاد المقدسي المأزوم
أنتجت سياسة الاحتلال العدوانية في القدس المحتلة وضعا اقتصاديا واجتماعيا مأزوما؛ حيث "بلغ معدل البطالة في محافظة القدس حوالي 23.6 %، أما في فلسطين المحتلة فبلغ معدلها 27.0 %، منها 22.4 % في الضفة الغربية و35.7 % في قطاع غزة"، وفق معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
في حين "يعيش حوالي 75.3 % من مواطني شرق القدس و82.2 % من الأطفال تحت خط الفقر، ما يعكس سياسة الإفقار التي تعتمدها سلطات الاحتلال ضد القدس المحتلة"، بحسبه.
وزاد الجدار العنصري من ثقل التحديات المضادة للنمو الاقتصادي المقدسي، إزاء "عزل التجمعات السكانية عن مركز نشاطها في القدس، وإلحاق الضرر الجسيم بالمقدسيين بخسارة مباشرة للمداخيل تتجاوز قيمة مليار دولار، مرشحة للزيادة إلى حوالي 194 مليون دولار سنوياً"، طبقاً لوحدة القدس في ديوان الرئاسة الفلسطينية.

التعليق