إيران البديلة: عن "آذر نفيسي" و"الخميني"

تم نشره في الجمعة 26 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

ستعمل "آذر نفيسي" على جَلْد نظام المُلّا في إيران، في عملين (أدبيين/ نقديين) هما على التوالي: 1 - أن تقرأ لوليتا في طهران. 2 - أشياء كنت ساكتة عنها (ذكريات).
في عملها (الأدبي/ النقدي) الثاني، ستعود آذر نفيسي خطوة إلى الخلف، لتسرد حياتها التي لم تسردها في عملها (الأدبي/ النقدي) الأول. لذا يمكن أن يُقرأ عملها (أشياء كنت ساكتة عنها: ذكريات) أولاً، ثم يقرأ (أن تقرأ لوليتا في طهران) ثانياً، فزمن الحكاية في (اشياء كنت ساكتة عنها: ذكريات) سابق على زمن الحكاية في (أن تقرأ لوليتا في طهران)؛ وإن كان زمن كتابة هذا الأخير سابق على زمن كتابة (أشياء كنت ساكتة عنها).
لكني سأكتفي –اقتضاء لواقع الحال، وانسجاماً مع العنونة أعلاه - بأن أبسط هَهُنا لعملها (أن تقرأ لوليتا في طهران)، بصفته نوعاً من المواجهة (المعنوية/ المادية) بين نظام ثقافي ناعم سيتجسّد في شخصية "آذر نفيسي"، وبين نظام سياسي خشن سيتجسّد في شخصية "الخميني".
بالعودة خطوة إلى الخلف، ثمة رواية موسومة بـ (لوليتا) للروائي "فلادمير ناباكوف"، تروي قصة حُبّ مفترضة بين رجل كبير في السن وطلفة صغيرة، وتحت شعار الحُبّ سيعمد "همبرت" بطل الرواية إلى اغتصاب الطفلة "لوليتا"، وسيعمد إلى تبرير هذا المسلك الشنيع، تبريراً وجدانياً، لناحية أنه أحبَّ لوليتا، فقد أراد لها وله الخير عبر عمله الافتضاضي؛ لكنه في الحقيقة كان أنانياً يسعى إلى تحقيق شهوته، حتى لو تطلّب الأمر اغتصابها والاعتداء عليها وانتهاك خصوصيتها، ففي سبيل الأنانية تُذلّل العقبات.
وأن تعمد "آذر نفيسي" إلى استحضار هذا العمل تحديداً لفلاديمير ناباكوف، لتفكيك العلاقة بينها كامرأة أولاً وكأستاذة للنقد الأدبي ثانياً، وبين نظام الخميني، فذلك للتأشير إلى:
1  - التشابه الكبير بين ما يحدث في رواية (لوليتا) و(طهران)، فكما يعمل "همبرت" على اغتصاب "لوليتا" تحت شعار الحُبّ، يعمل "الخميني" على اغتصاب "طهران" تحت شعار الحُبّ أيضاً. فـ "الخُميني" هو "همبرت" و"طهران" هي "لوليتا". وما تتعرّض له "لوليتا" من اغتصاب وانتهاك وافتضاض، على يد "همبرت"، هو الشيء ذاته التي تتعرّض له "طهران" على يد "الخُميني". فالخُميني إذ يسعى سعياً محموماً إلى مصادرة حريات الناس، عبر حزمة غير متناهية من القوانين، وتحويل حياتهم إلى كوابيس مُعاشة، تحت شعار حماية مصالحهم الدينية والدنيوية، والبحث عن الأفضل لهم في العالمين الزماني والماورائي، فإنه يعمل على تمديد هؤلاء الناس على الأرض الإيرانية، كمقدمّة لاغتصابهم واحداً تلو الآخر، سيتجلّى أخيراً –أعني هذا الاغتصاب - في وضع طهران بكامل حمولتها الجغرافية والتاريخية والإناسية، تحت طائلة الاغتصاب الكُلِّي، من قبل آية الله الخُميني. لذا يصير استدعاء رواية بهذا الحجم وهذا المحتوى من قبل "آذر نفيسي"، نوعاً من الفرح المأساوي الذي يلجأ إليه المُثقّف، لكي يدرأ الخطر الداهم الذي يتهدّد حيوات الناس ويضعها تحت طائلة الهدر المُستمر. فعبر هذا الاستحضار ستعمل "آذر نفيسي" على وصف المعاناة التي لحقت بعموم الثقافة الإيرانية بعد تولّى الخميني –الذي جاءت به الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979 - سدّة الحكم المُطْلَق في إيران، والضيم الذي لحق الإنسان بشكل عام، وهدر لطاقاته وإمكاناته، بما يتلاءم ورؤية الخميني الذي وبحسب تعبير "آذر نفيسي" "أخفقَ في تحقيق حلمه، ودمَّرَّ الواقع"!. فالشخص الورع، التقي، حالَ مع مرور الوقت وتسارع الأحداث إلى شخص حالٍّ –ضمن عملية جذب صوفي عنيف - في النص الديني، فقد صار الخميني هو النص بعينه، وما يصدر عن الخميني وكأنه صادر عن العلي القدير!. وبموجب هذا الواقع الجديد استحدثت جملة من القوانين والتشريعات والأنظمة التي حُدّدت بموجبها أولويات الحياة، فهذا (حلال) يجوز ممارسته والاقتراب منه، وذاك (حرام) يمنع منعاً باتاً مسّه أو لمسه. ودائماً –أعني منظومة الحلال والحرام - وفق الرؤية الخُمينية، فهي رؤية معصومة عن الخطأ بالضرورة، كيف لا وهو وريت الأئمة المعصومين، أو بالأحرى مندوباً أميناً عنهم حتى يظهر مُخلّصهم المهدي!.
2  - الرقابة الصارمة على العمل الثقافي عموماً، والكتب خصوصاً، في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لما قد تُشكّله من تهديد حقيقي للنظام السياسي القائم. وأن تعمل "آذر نفيسي" على تدريس طالباتها –وإن في حلقات ضيقة - مثل هذا العمل الناباكوفي المُحرّم، فلأنها تسعى إلى المواجهة الذهنية الناعمة مع نظام سياسي خشن، لا يسعى إلى هدر حيوات الناس الجسدية، وذلك عبر اغتصابها وانتهاك خصوصياتها فقط، بل إلى مراقبة حيواتهم الذهنية أيضاً، وذلك بالحَجْر عليها مبدئياً، ومعاقبتها إذا ما أخلّت بنواميس "الخُميني" أو الأجهزة البوليسية والرقابية التي تأتمر بإمرته وتنفّذ أوامره واحداً تلو الأخرى، بصرامة وقُدسية تامتين. فاللجوء إلى عمل أدبي تُحرّمه الثقافة المُلتزمة! في نظام الخُميني، هو نوعٌ من الاستبصار الذي يُؤسّس لفكرة قد تفتك بالنظام السياسي فتكاً ناعماً مع مرور الوقت، لأنه يشتغل على فكرة نظافة الروح مقابل عمليات الإبادة اليومية التي يمارسها النظام السياسي، ضد الناس، وإن كانت الحُجّة المُعلنة حُبّهم والحفاظ على مصالحهم.
إذاً، ثمة مواجهة بين نظام سياسي شرس، سيتجسّد في شخص "الخُميني"، وبين نظام ثقافي ناعم، سيتجسّد في شخصية "آذر نفيسي". الخميني يشتغلُ سياسةً، ستُحقّق مصالحه الآنية، بما يُعزّز من نهج سيكولوجي في المجتمع الإيراني، يعمل على تعميق الحسّ الأناني، القادر على الإطاحة –تحت جملة من التبريرات العبثية - بكلّ ما لا ينسجم مع هذا الحسّ السيكولوجي الذاتي. في حين ستشتغلُ "آذر نفيسي" ثقافةً، ستتجاوز مصالحها الأنانية إلى المصالح الفردية، بما يُعزّز من نهج معرفي، قادر على استيعاب حيوات الناس ضمن حركة الاجتماع الإنساني، دون أن يهدر حياة الذات، فالكُلّ شركاء في صناعة هذا الاجتماع. لكن الفرق بين نظام التشغيل الخُميني (نسبة إلى الخُميني ومسلكياته السياسية) ونظام التشغيل النفيسي (نسبة إلى آذر نفيسي ومسلكيتها الثقافية)، هو فرق في التوقيت الزماني: فأولهما سريع وثانيهما بطيء. أولهما أرنبي وثانيهما سلحفائي. أولهما آني وثانيهما مستقبلي. أولهما مُتهالك وثانيهما باق. أولهما مادي سريع العطب وإن حقّق كثيرا من المكاسب الآنية والأنانية وثانيهما معنوي يسعى إلى الخلود وإن بانت عليه علامات الإخفاق آنياً. لذا، يمكن الحديث عن إيران بديلة، غير تلك التي تطفو على السطح وتُظهر شراستها في تعاملها مع واقعها المُحيط، بما يُحقّق من مصالحها الآنية والأنانية؛ وكتجلٍّ لتلك الإيران البديلة، أتى التأشيرُ على "آذر نفيسي" كحالةٍ فردية، سواء في عملها (أن تقرأ لوليتا في طهران) أو (أشياء كنت ساكتة عنها: ذكريات)، أو حتى عملها (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب). كحالةٍ فردية غير منعزلة عن حالات فردية أخرى، أمكن الاشتغال عليها معاً، مثل: (قصة حُبّ إيرانية تحت مقص الرقيب) لـ"شهريار مندني بور"؛ (سجينة طهران) لـ"ماريا نعمت"؛ (كاميليا: سيرة إيرانية) لـ"كاميليا أنتخابي فرد"؛ (المرجومة) لـ "فريدون صاحبجام"...الخ. 

التعليق