جميل النمري

تداعيات من عيد الاستقلال

تم نشره في الخميس 25 أيار / مايو 2017. 11:09 مـساءً

 لا يتحمس بعض القوميين لأعياد الاستقلال الوطنية في منطقتنا باعتبارها من مخرجات سايكس بيكو التي تنكرت للثورة العربية الكبرى والحسين بن علي وطموح العرب في الوحدة. لكن من جهة أخرى وفي ضوء حقائق لاحقة للتاريخ لا نعرف ماذا كنا سنفعل وأي مسار سيقودنا لو تركنا الاستعمار يقرر مستقبلنا. ونحن الآن نتحسر على خسارة دول هي من مخرجات سايكس بيكو، ونبكي على ما آل اليه الحال من انقسام الى هويات فرعية وصراعات طائفية وجهوية واثنية دمرت الهوية الوطنية للشعوب في العراق وسورية واليمن وليبيا.
لم يكن نشوء دولة موحدة في المشرق العربي قدرا مؤكدا بغض النظر عن الانتداب، فقد ظهرت اصلا صراعات على السلطة في كل مكان، وحدود الدول وطبيعتها ستعتمد على هذا الصراع، والوحدة ستقررها قدرة إحدى القوى على دحر جميع الآخرين وتوحيد المنطقة كلها تحت سلطة واحدة وهذا لم يكن مرجحا. وبالطبع القوى الكبرى لم تكن لترغب أو تسمح به تماما كما حصل مع محمد علي الكبير الذي أوشك على توحيد مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية تحت سلطته فتدخلت الدول الاستعمارية لاسناد الدولة العثمانية في مواجهته. وفي التاريخ عندما كانت تنحسر الإمبراطوريات عن أراض وبلدان وأقوام متنوعة كانت تخلف وراءها عددا من الدول والكيانات أكثر تعددا من تلك التي كانت قائمة قبلها.
الأردن قبل العصر الحاضر لم يوجد طبعا في التاريخ كدولة بحدوده السياسية الحالية وهذا ينطبق على كل الدول قبل مرحلة الاستعمار، لكن الأردن عبر التاريخ كان مركزا حضريا لدول وممالك متعاقبة من الأدوميين إلى المؤابيين وحتى العرب الأنباط الذين امتدت مملكتهم من مدائن صالح جنوبا الى بصرى الشام شمالا. بعد ذلك أصبح جزءا من الامبراطوريات المتعاقبة اليونانية والرومانية والعربية الاسلامية وأخيرا العثمانية التي انتهت في الحرب العالمية الأولى.
والحقيقة أن الهويات الوطنية لا تصنع بقرار من أحد بل تتبلور عبر التاريخ وهي كانت موجودة تحت الحكم العثماني في مختلف مناطق سيطرة هذه الامبراطورية بصورة أو أخرى ولم تظهر فجأة فقط مع الحدود السياسية التي رسمها الاستعمار أو الانتداب، لكنها بالتأكيد تعززت وتبلورت على امتداد الزمن اللاحق في ظل الكيان السياسي الذي وحد المجتمع والاقتصاد والمصالح.
والهوية الوطنية الأردنية تبلورت وترسخت في ظل الدولة والكيان السياسي الذي أنشأه الملك المؤسس وهي كانت وبقيت جزءا من الهوية العربية التي تبلورت وبدأت تشعر بذاتها وتصنع طموحها في أواخر الحقبة العثمانية. وهناك مقولة متوهمة أن الدولة نشأت بقرار ورغبة بريطانية مع أن الصحيح وفق الأبحاث التاريخية لتلك الفترة هو ان بريطانيا كانت غير راضية وممتعضة من تحرك الأمير عبدلله الى شرق الأردن وكانت تنظر بشك الى نواياه غير الخافية باستعادة  مشروع المملكة العربية الموحدة في المشرق العربي وبقيت تطرح لنفسها بدائل وراوحت لفترة طويلة قبل ان تقبل بالأمر الواقع وتعترف رسميا بسلطة الأمير على شرق الأردن.
عندما ننظر الى مسار التاريخ في القرن الماضي ومآلات المنطقة نفكر في المعجزة الطيبة التي تحققت لهذا البلد الذي ظلّ في عين العاصفة على امتداد قرن كامل يتحرك مثل قارب صغير في محيط هائج يعتمد على ربان ماهر عبر به كل الأنواء في ما يشبه المعجزة وواجه التحديات واحدا بعد الآخر بنجاح بما في ذلك آخر التحديات وأخطرها وهو تحدي الإرهاب الذي يضرب في المنطقة والعالم. حمى الله الأردن وشعبه الطيب وقيادته الحكيمة، وكل عام وأنتم بخير.

التعليق