د.باسم الطويسي

مركزية في إدارة اللامركزية

تم نشره في الجمعة 26 أيار / مايو 2017. 11:07 مـساءً

على الرغم من أنه لا يفصلنا عن الانتخابات البلدية وانتخابات اللامركزية، التي ستجري للمرة الأولى، سوى اسابيع قليلة، الا ان التعاطي المجتمعي مع هذا التحول المحتمل ما يزال في ادنى مستوياته، كما هو الحال في التعاطي المؤسسي الرسمي والاهلي على مستوى المحليات في المحافظات في ادنى مستوياته ايضا "وكأن العرس عند الجيران"، ما يطرح أسئلة حول مدى جدية تعاطينا مع ما يجري، وهل نحن بالفعل امام مرحلة جديدة في ادارة التنمية والادارة المحلية وادارة الموارد، اي  مسار جدي يسعى لاحداث تحولات حقيقية في نوعية حياة المجتمعات المحلية من خلال تمكينها المشاركة في صنع السياسات التي تعنيهم  وتحمل مسؤولية هذه المشاركة وحمايتها.
المفارقة ان عمان الى حد ما مشغولة بهذه الانتخابات وثمة مراكز رسمية في الوزارات والهيئات المعنية تشبه خلايا النحل في العمل والتحضير ومنذ اشهر طويلة، بينما لا صدى حقيقيا او حراكا صلبا في المجتمعات المستهدفة، وكأننا نقول انه حتى اللامركزية يخطط لها وتنفذ مركزيا، وهذه إشكالية كبيرة، صحيح انه لا يمكن بسهولة وبجرة قلم ان ننقل ثقل التخطيط وادارة عمليات تحول تحدث لاول مرة من المركز الذي اعتاد لعقود طويلة على احتكار الادارة العامة واحتكار السلطة، ولكن في الوقت نفسه كان من الممكن ان تكون مرحلة التحول تمرينا في الانتقال الى الناس وجعل مؤسساتهم المحلية والادارة المحلية في هذه المجتمعات اكثر اشتباكا مع هذا التحول، ما قد يساهم في نقل بعض الخبرات وخلق اهتمامات حقيقية لدى المؤسسات المحلية وبالتالي المجتمعات ما يؤسس لجعل المؤسسات والمجتمعات اكثر استعدادا للتفاعل الايجابي مع هذا التحول.
لقد حافظت الادارة العامة الأردنية على مدى عقود طويلة على وقارها، وعلى شكلها الاجتماعي، ما خولها المزيد من القوة، ونسج علاقات متينة مع الرأي العام، ولم يهتزّ هذا الوقار الا في سنوات تراجع الثقة العامة بفعل اهتزاز مكانة القانون في ممارسات الدولة وفي نظر المجتمع؛ ولكن على مدى عقود طويلة ازدادت الدولة تمركزا حول مراكز محدودة لصنع السياسات واتخاذ القرارات، جاء ذلك مصحوبا مع تضخم غير طبيعي في اعادة تركز الثروة والموارد والادارة في العاصمة، الأمر الذي ركز السكان ايضا بشكل غير طبيعي، فلأول مرة ووفق التعداد السكاني الاخير 2015 فإن سكان عمان اقتربوا من نصف المملكة، وهذا اخطر ما يمكن ان يواجه مستقبل التنمية والتحديث.
 المسألة ليست مجرد مجالس محلية او برلمان محلي وحكومة محلية، بل انتقال اجتماعي سياسي يؤسس لإعادة انتاج المجتمعات المحلية في المحافظات ضمن مصفوفة كبيرة من متطلبات التغيير التي تقود الى اعادة التمأسس لهذه المجتمعات على قيم المشاركة والمسؤولية وبالتالي الانتاجية والتنافسية وفي نهاية اليوم تحقيق تغيير في نوعية الحياة للأفراد والأسر.
علينا ان ندير عقارب التفكير السياسي نحو السياسة المحلية، أي دمج الناس في السياسات العامة وتوسيع قاعدة الحوار حول الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية المرتبطة بالحياة اليومية للناس وبمصالحهم، وهذا الدور التنفيذي للادارة العامة، لا أن نذهب نحو المزيد من تركيز السلطة والادارة العامة في العاصمة حتى ونحن نخطط للامركزية وننفذها.

التعليق