المناهج المدرسية وأنماط التعلم (2 - 3)

تم نشره في الأحد 28 أيار / مايو 2017. 12:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية)

د. ذوقان عبيدات

تحدثت في المقالة الأولى عن ثلاثة أنماط هي: التنفيذي والتشريعي والقضائي، وقلت ان المعلمين والمدارس ينتجون نمطا تنفيذيا ويحبطون نمطين: التشريعي والقضائي! كما ان النمط التنفيذي يقود المجتمع ويتسيد الواجهة الأمامية للأجهزة الحكومية. أما في المدرسة فهذا النمط هو نمط المتفوقين والمتكيفين مع سلوكات ومتطلبات المدرسة. وفي المقالة الحالية والتالية، سوف أعرّف بمفهوم الأنماط واستكمل الحديث عن أنماط اخرى مهمة، ثم مسؤولية المعلمين والمناهج في التعامل مع مختلف الأنماط:

(1)
ما المقصود بأنماط التعلّم والتفكير
النمط هو الطريقة المفضلة للتفكير والتعلم، وهو طريقة الفرد في التعبير عن قدراته. فقد يتساوى عدد من الطلاب في قدراتهم، ولكن يختلفون في أنماطهم.
وفي المدرسة غالبا ما يتفوق الطالب الذي يتفق نمطه مع نمط المدرسة والمعلم . بينما يسمى من لم يتوافق بالطالب الفاشل، وهذه احكام ليست سليمة ولا صادقة، وخادعة جدا. وهذا يفسر فشل كثير من الطلاب  والمعلمين والعاملين في كل مكان، وحتى في الحياة الزوجية حين يختارون حسب قدراتهم لا حسب أنماطهم!!
وببساطة فانني اضع المبادئ الآتية :
1- الأنماط تعكس خياراتنا لا قدراتنا، فقد نكون قادرين على ممارسة سلوك من أي نمط، لكن تفوقنا يعتمد على النمط المفضّل لدينا.
2- النمط ليس جزءا من شخصية الطالب، بل سلوك مكتسب يمكن تعلّمه، كما يمكن تعديله وتغييره وفق خبراتنا. وقد ننتقل من نمط الى آخر، أو نعيش ازدواجية الأنماط، وقد يكون شخص ما من النمط الليبرالي في عمله، ومن النمط المحافظ في حياته الأسرية.
3 - ينمي الطالب أو أي شخص قدراته باتجاه نمط آخر، ولكن تبقى قدراتنا عالية ضمن نطاق أنماطنا.
4 - تتفاوت تفضيلات الطلاب والآخرين داخل النمط الواحد، فقد نجد تنفيذيا متشددا وأقل تشددا ومتسامحا. وهكذا في بقية الأنماط . واختلاف المستويات داخل النمط يعتمد على مرونة كل شخص .
5- قد يكون نمط ما مطلوبا بشدة في ظرف ما، ثم تقل الحاجة اليه بعد فترة . فقد تحتاج مديرا تنفيذيا لضبط مدرسة، ثم تقل الحاجة له اذا اردنا تطوير المدرسة .
6- ليس هناك نمط ايجابي وآخر سلبي، ان ذلك يرتبط بالحاجة والظروف.
7- وأخيرا، وهذا ما يهمني كتربوي ، يتعلم الطالب كل ما يناسب تفضيلاته ونمطه بيسر وسهولة . ولو علّمنا الجميع وفق تفضيلاتهم لحصلنا على طلاب متفوقين .

(3)
الانماط مكتسبة غير موروثة
ان دور المناهج والتعليم سيكون سهلا في التعامل مع الانماط لانها سلوك متعلم، يمكن تعليمه أو تعديله أو تغييره، فالمؤثرات علي تكوين الانماط كلها اجتماعية وثقافية:
- فالمجتمع وثقافته ينمّيان الاعجاب بنمط معين، كأن يريد طالبا هادئا مستمعا مطيعا.
- والمدرسة وثقافتها تروج لنمط معين. 
- والجنسوية قد تروّج لنمط معين، وتشجع البنات على السلوك التنفيذي، والرجال على السلوك القضائي أو التشريعي .
 - ويتأثر النمط بتقدم العمر، فالأطفال والشباب أكثر ليبرالية من المعلمين والاهالي.
- والمهنة، ايضا تؤثر على النمط، فالمعلمون والعسكر ورجال الدين يتحولون الى تنفيذيين، حيث تفرض عليهم مهنهم قيما تنفيذية محافظة، فالمعلمون ورجال الدين هم الأكثر التزاما في العالم بالقيم التقليدية.

(4)
المناهج : انماط الطلبة والمعلمين
تتأثر انماط الطلبة والمعلمين ببيئاتهم الاجتماعية والثقافية، فالطلبة من بيئات متنوعة جدا ومن انماط وثقافات متعددة،  بينما المعلمون يكادون يكونون نمطا واحدا تقليديا بحكم انتمائهم الى الطبقات الأقل من الوسط في المجتمع .
قد يمارس طلبة من فئات دنيا سلوكا محافظا، ويمارس زملاء لهم من فئات عليا سلوكا اكثر انفتاحا وفق اختلاف القيم الثقافية والأسرية. بينما تختلف انماط المعلمين لتنسجم فقط مع انماط الطلبة من الطبقات الاجتماعية المماثلة لهم .
وتشير دراسات الى ان معلمي المرحلة الاساسية والثانوية ينجذبون الى التعليم، لأنه : - يوفر عملا قريبا من الاسرة والقرية . - ليس فيه مغامرات وهزات، فكل معلم تقريبا يؤمن حياته حتى الممات براتب منتظم وعمل دائم وتقاعد مؤكد. - يوفر اجازات طويلة جدا.
كما ان هناك دراسات تشير الى ان معلمي الاطفال اكثر ليبرالية من معلمي الثانوي، حيث تتاح لهم فرص وضع قواعد جديدة للعمل بعيدا عن ارهاب الامتحانات العامة التي يواجهها معلمو الثانوي. فمعلم الثانوي يخشى على طلابه من الفشل ، ولذلك يلتزم بالتلقين بينما لا يعيش معلم الابتدائي مثل هذه المخاوف.
كما أن سلوك كل المعلمين يزداد ميلاً للنمط التنفيذي مع تقدمهم في العمر والخبرة، نتيجة للاحتراق الداخلي، فيقل التسامح وتزداد الرغبة في استخدام السلطة.
ومن هنا قد نفهم، لماذا يبدي معلمو المدارس الخاصة سلوكاً يتماشى مع النمط التشريعي أكثر من معلمي المدارس الحكومية. فثقافة المدرسة الخاصة تقدر الطالب ومشاعره أكثر من سواها - مع الأسف - فالمعلمون يميلون إلى ربط سلوكهم بنمط مدارسهم.
(5)
ماذا نعمل؟
يبدو أن الحلول صارت واضحة، فهناك حلول تبدو في جذب عناصر غير تقليدية الى المدارس، وأنا أعوّل كثيراً على قدوم معلمات من بيئات ثقافية متعددة الى التعليم، لكن لم يلحظ لحد الآن وجود معلم من أي أسرة ارستقراطية مثل، ..... ، ....... .
إن جذب عناصر ذكورية تقدمية الى التعليم يبدو أمراً ضرورياً، على صعوبته، فالقضية ليست مادية، وحتى لو ارتفع وتضاعف دخل المعلم - وهو بالمناسبة أغلى دخل لموظف في الأردن حالياً - فإن اموراً أخرى تعيق جذب المبدعين، لعل في مقدمتها بيئة التعلم، ومهارات التعليم الدقيقة! وفلسفة التعليم المحافظة، حيث أن جميع أنظمة التعليم تتفق على أن مهمة التربية الحفاظ على ثقافة المجتمع وقيمه وتقاليده، ونقلها عبر الأجيال.
وبما أن الحلول الأساسية غير متوافرة، فلا بدّ من تغيير ثقافة المدرسة وطريقة تعاملها مع الطالب، وهذا أمر مطلوب!!

(6)
بعض أنماط التعلم والتفكير
يتنوع تصنيف الأنماط، كما قلت في المقالة الأولى إلى تنفيذي وتشريعي وقضائي، ولكن الباحثين تحدثوا عن أنماط أخرى.
- النمط الموناركي – الملكي، وهو نمط يفكر بموضوع واحد، ولا يستطيع التعامل مع أكثر من موضوع، إنه كاسح، لا يسمح لأحد أن يقف عائقاً أمامه. يركز على الإنجاز، دائماً مسكون بما يفكر به، لا يهتم لأحد الاّ اذا حدثه بما يهتم به.
فالطالب الموناركي إذن مشغول بحاجاته، ولن يستمع إلى معلم، إلاّ اذا حدثه بما يشغله ويرتبط بحاجته.
يحب الفنون والرياضة، ويتعلم عبرهما أي مادة أخرى، فهي وسائله للتعلم.
- النمط الهرمي: نمط يفكر في عدة موضوعات معاً، ولذلك يحدد أولويات العمل، وينسجم مع كل من يهتم بهذه الأولويات والاّ انقلب الى معادٍ مع من لا يتفق مع أولوياته.
فالمعلم الذي يضع تعليم التفكير او حرية الطالب في أولوياته، سوف يصطدم مع إدارة المدرسة التي تركز على الحفظ والتلقين، وكذلك الطالب..
- النمط الأوليغاركي: وهو نمط متعدد الاهتمامات، ولكنه لا يضع أولويات، يبدأ بأول عمل يصادفه ولذلك يفشل في أي عمل يتطلب تسلسلاً، فينتقل من عمل إلى آخر دون نظام معين.
- النمط الأناركي: وهو نمط فوضوي عشوائي، يهاجم مشكلاته عشوائياً، لا يتقيد بنظام أو قانون، لا يتكيف مع المدرسة والعمل، يتصدى لأعظم المشكلات، جريء ومغامر، يحتفظ بسجل مدرسي سيئ، ومع ذلك انه ينتمي إلى مدرسة المبدعين.
- النمط العالمي: وهو شخص يهتم بالموقف ككل دون تفاصيل، يخوض في المبادئ والفلسفات والكليات والعولمة والأخلاق.. الخ، ابداعي.
- النمط المحلي: وهو من يهتم بالتفاصيل، دون اهتمام بالكل، لذلك يقال انه واقعي، ومن السهل أن يتحول إلى شخص روتيني ممل.
- النمط الداخلي: وهو نمط مستقل، يهتم بشؤونه على حساب العلاقات الخارجية، طالب يحب التأمل والعمل وحده.
- النمط الخارجي: وهو نمط الطالب المنفتح صاحب العلاقات الناجحة، طالب يفضل العمل في فريق، يهتم بالشؤون العامة.
- النمط الليبرالي: المنفتح على التغيير المستمر.
- النمط المحافظ: المتمسك بالقواعد والأصول.
كيف نقدم مناهج لكل هؤلاء؟
إن وجود الأنماط حقيقة واقعية، ففي كل مدرسة طلاب ومعلمون وعاملون من جميع الأنماط. وإن الطلاب يتعلمون وينمّون قدراتهم من خلال تفعيل أنماطهم، فالأنماط تفضيلات وخيارات، وكما قلنا ليست قدرات، وإن تنمية القدرات تكون من خلال توظيف الأنماط والتفضيلات. والمناهج المدرسية مجبورة أن تتعامل مع جميع الأنماط، ويمكنها القيام بما يأتي:
- تقديم محتوى يشجع جميع الأنماط، فنحن بحاجة إلى ليبراليين ومحافظين وتنفيذيين وتشريعيين.. الخ.
- تقديم محتوى يهدف الى توظيف الأنماط التي ينتمي إليها الطالب لبناء قدراته في الأنماط الأخرى.
- تقبل كل نمط وعدم مهاجمة أنماط لا ترغب فيها ثقافة المدرسة.
 والمعلمون ينوعون من طرائقهم بما يناسب مختلف الأنماط، ولا يجوز أن يتحيز منهج أو معلم لنمط معين ويعادي أنماطاً أخرى.
هذه أنماط التعلم والتفكير والشخصية، وسيكون الموضوع القادم عن أنماط التعلم الأخرى وهي عديدة جداً.

التعليق