فهد الخيطان

ماذا بعد سقوط نموذج "دولة داعش"؟

تم نشره في الأحد 28 أيار / مايو 2017. 12:09 صباحاً

يوشك تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق على خسارة مراكز السيطرة والقيادة نهائيا. معركة تحرير الموصل من قبضة التنظيم الإرهابي في أيامها الأخيرة، والرقة السورية محاصرة بالكامل، ولم يبق لعناصر التنظيم سوى الاستسلام أو محاولة الفرار.
هذا بلا شك تطور بالغ الأهمية؛ التنظيم يعود إلى مرحلة ما قبل الإمارة "الدولة" ويفقد سلطته على الأرض والسكان، وبالتزامن مع ذلك يخسر مصادر تمويله الذاتي التي كان يتحصل عليها من سكان المناطق الخاضعة لسيطرته.
هل تعني هذه التطورات المهمة أن التنظيم صار مجبرا على مراجعة استراتيجيته القائمة على فكرة تأسيس دولة الخلافة، والتي كانت عنوانا رئيسيا للخلاف مع تنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري؟
المرجح أن التنظيم في المرحلة المقبلة سيشهد خلافات وانشقاقات داخلية بين مكوناته "الأممية"، بشأن وجهة التنظيم في المستقبل. العناصر الغربية وربما القادمة من دول عربية، ستسعى للعودة لبلدانها لتفجر غضبها الإرهابي في وجه مجتمعاتها، فيما يواصل آخرون رحلة أقرانهم للالتحاق بقواعد التنظيم المتماسكة في ليبيا وشمال أفريقيا.
العناصر السورية والعراقية في التنظيم ستحاول التكيف مع المتغيرات، والعودة لحرب العصابات ضد مواقع النظام السوري والمجموعات المسلحة المناوئة لها في نفس الوقت.
لكن على الجبهة الأخرى، سيعمد مقاتلو "داعش" وأنصاره في العالم إلى تصعيد هجماتهم الإرهابية لتأكيد فاعلية التنظيم ووجوده.
وفي هذا السياق تندرج العمليات الأخيرة لداعش في مدينة مانشستر البريطانية وصعيد مصر، والإعلان عن تأسيس فرع للتنظيم في الفلبين، والنشاط المتزايد في اليمن، ودول أفريقية عدة.
ستكون مواجهة مديدة ودامية لسنوات مقبلة، ميدانها دول أوروبية وعربية ومناطق شتى في جنوب شرق أسيا وشمال أفريقيا ودول الصحراء هناك.
ولا يعرف إذا ما كان تنظيم القاعدة سيحاول التشبيك مع عناصر داعشية، لاستعادة قدراته على العمل من جديد، واستثمار فشل النموذج الذي بشر به البغدادي لإعادة تشكيل وصياغة خطاب "الجهاد العالمي"، خصوصا مع بروز نجم نجل أسامة بن لادن، بما يعنيه ذلك من تراث ملهم لحركة التطرف واتباعها في العالم.
في كل الأحوال لم يعد بمقدور تنظيم داعش أن يعيد بناء نموذجه المنهار في العراق وسورية، في ظل التكاتف العالمي ضده. ومع سقوط مراكز السيطرة والقيادة والتدريب، لن يكون مجديا الاستمرار في دعوة الشباب للالتحاق بـ"الدولة الإسلامية" في سورية، ما يعني انحسارا شبه كلي لعمليات التجنيد في أوروبا ودول عربية وإسلامية، مع أفول الفكرة والمشروع.
إن أسوأ ما حصل في سورية والعراق هو ترك التنظيم الإرهابي يسيطر على المدن بسكانها. لقد منحه ذلك قوة هائلة للتجنيد والحشد على المستوى العالمي، وإيهام عشرات الآلاف من الشبان بنموذج مزيف ليكونوا وقودا في معركته.
اليوم تسنح فرصة لا تتكرر لحشد عالمي مقابل للتصدي لمقاربات التنظيم الفكرية، لتكون هزيمته في الموصل والرقة نقطة تحول جوهرية في الحرب على الإرهاب، واكثر من ذلك، في مكافحة الفكر المتطرف. لكن الفوز في هذه المعركة يتطلب مقاربات سياسية وثقافية وحلولا واقعية لأزمات المنطقة، لا نرى أفقا لها بعد.

التعليق