علاء الدين أبو زينة

رمضانيات..!

تم نشره في الأحد 28 أيار / مايو 2017. 12:08 صباحاً

أصبح من مُلازمات قدوم رمضان الحديث عن "خطة أمنية"، سواء للتعامل مع مشاكل السير، أو تزايد سرقات المنازل في وقت الإفطار وبعده، وحوادث النشل واختطاف الحقائب في الأسواق وأماكن التجمعات. كما لا بد أن نسمع تحذيرات من الحكومة وغيرها مما يُدعى "التهافت" على السلع والأغذية. وللأسف، نشاهد أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً في حوادث السير وفقدان الأرواح بسبب السرعة والطيش. وبالإضافة إلى ذلك، يعاني الناس من الاحتكار وارتفاع الأسعار، والاستهلاك المفرط وكثرة المصاريف، بحيث تُستنزف مداخيلهم قبل قدوم العيد الذي له متطلباته أيضاً.
هذه المظاهر الجديدة نسبياً على رمضان تتعارض تماماً مع فكرة "التقشف" المقصودة من الصيام. ويبدو وكأن الذي يمتنع عن الطعام في النهار بهدف ترويض النفس وضبطها، يريد أن "ينتقم" من جوع النهار بالإفراط في كل شيء امتنع عنه بعد الإفطار. وهناك مسافة أميال بين صورتنا حول الموائد العامرة، وبين صورة الزاهد المتهجد الذي يكتفي من الطعام بأقله وأبسطه، ومن اللباس بأخشنه، إذا أراد أن يمارس طقساً روحانياً في أي عقيدة في العالم. أما لدينا، فقد سطَّحت الممارسات مفهوم الصيام وحولته من رياضة روحية إلى شيء يمارسه الكثيرون فقط من باب العادة الاجتماعية، بلا أدنى استبطان لجوهره وغاياته.
ربما لا يمكن توحيد النظرات والأفهام الشخصية لشهر رمضان وطقوسه. لكن البعض يذهبون بالمناخ العام للشهر إلى التوتير ويفسدونه فعلياً بممارسات تؤثر على الآخرين وتُضر بهم مباشرة. فبذريعة الصيام نفسها، يوقف مواطن سيارته مزدوجة أمام مخبز أو بقالة، ويحاول دائماً أن يغتصب دور غيره والتجاوز عليه، ويأخذ كل وقته في التجول بينما يغلق الشارع ويضرب بعرض الحائط مشاعر ومصالح العشرات من مواطنيه. ثم يفعل الشيء نفسه أمام المسجد في النهار أو الليل، معتقداً بأن أداءه العبادة التي هي شأنه وحده، يعطيه الحق في إثارة حفيظة الآخرين ومخالفة القوانين والأخلاق والحس السليم.
ثم هناك "العصبية" التي يرتفع منسوبها في رمضان. وتتجلى العصبية في سوء التعامل مع أفراد الأسرة أو الزملاء في العمل، أو حتى مستخدمي الطريق جميعاً. ويتخذ "العصبيون" من الصيام سبباً للصراخ على الآخرين، واستفزازهم وافتعال مختلف مستويات المشاجرات. وهذه "العصبية" هي في أصلها عصبوية وتعصُّب للذات، بحيث يبدو أن صاحبها يدافع بها عن نفسه ضد الصيام بصب غضبه على الآخرين، وكأنه يحملهم المسؤولية عن صيامه.
يتصل ذلك بفكرة الرقابة الاجتماعية المفتعلة أساساً على سلوك الأفراد في رمضان. فالصائم العصبي الذي يضيق بممارسة الصيام ولا يستوعب حكمتها بقلبه وجوارحه، ربما يمارسها فقط إرضاء للآخرين وخوفاً من رقابتهم عليه. ولو كان يؤديها التزاماً بالأوامر الدينية، لكان أخذها بكليتها وبما تتطلبه من حسن السلوك والتعاطف مع الآخرين والرحمة وضبط النفس. وإذا كان نفسُ هؤلاء الأشخاص العصبيين هم الذين يمارسون رقابة مشابهة على الآخرين، في شأن عبادة يجب أن تكون بين العبد وخالقه، فإن هناك خللاً جوهرياً في فهم الشهر والعبادات وحكمتها وغاياتها جملة وتفصيلاً.
يجدُر التساؤل في رمضان وغيره عن جدوى افتعال العبادات والتظاهر بالورع لأجل الناس وخوفاً من الناس، لا على أساس الإقبال والرغبة والقناعة الشخصية. ولا بد أن يكون ذلك طباقاً لما يحدث في الأماكن "الداعشية"، حيثُ يُجبر الناس على ادعاء التدين بالتخويف، ويمارسون نسخة مطابقة لرؤية "شرطي الحسبة" خوفاً من سوطه، بينما تنطوي قلوبهم على الكراهية والنفور. ويعكس ذلك فهماً طائشاً لمفهوم الدين والعبادات من أساسها. لا معنى لأن يكون شخص ما سيئ الطوية والمظهر طوال العام، ثم يرتدي ثوب الورع في شهر واحد، ويتقمص دور الرقيب على الآخرين، أو يمارس مع صيامه كل المخالفات والانتهاكات، ولا يراقب نفسه أولاً.
هذه المظاهر التي أصبحت ملحوظة في رمضان، حتى أنها أصبحت تتطلب استنفاراً حكومياً وأمنياً أو تجعل البعض يستقبل الشهر بتخوّف، تخرج بالشهر عن غاياته وتعكر جمالياته القديمة، وتنغّص على الذين يمارسون العبادة بفهم حقيقي لجوهرها وتجلياتها. ومثل كل مجال آخر أصبحت تتحكم فيه العصبيات والمخالفات والأنانية، يحتاج الناس إلى تأمل واعٍ للتناقضات السلوكية الغريبة في أنفسهم، والتي أصبح البعض يفرضها قسراً في رمضان، حتى كأنها أصبحت جزءاً من طقوسياته!

التعليق