د.باسم الطويسي

كل هذا الاستهداف لمصر!

تم نشره في السبت 27 أيار / مايو 2017. 11:07 مـساءً

سلسلة من التطورات السريعة والمتتابعة التي واجهتها مصر خلال الايام الماضية منذ المواقف التي اعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والذي اتهم فيها بشكل مباشر دولا لم يسمها برعاية التنظيمات الارهابية ودعمها وتمويلها، وما هي الا ايام قليلة حتى وقعت الضربة الارهابية الجديدة التي استهدفت حافلة تنقل مواطنين في محافظة المنيا المصرية ذهب ضحيتها 28 مواطنا مصريا من الاقباط يوم الجمعة، فيما جاء الرد المصري هذه المرة بعد ساعات بتوجيه ست ضربات جوية داخل الاراضي الليبية وصفت من قبل المصادر المصرية بأنها استهدفت معسكرات تدريب جاء منها ارهابيون نفذوا عمليات في مصر. حيث  دمرت هذه الضربات المركز الرئيسي لمجلس شورى مجاهدي درنة في ليبيا.
بدون شك أصبح من الواضح ان مصر تواجه استهدافا ارهابيا غير مسبوق، إضافة الى العمليات التي تضرب البلاد في المدن الرئيسية وسيناء، ولا يمر شهر بدون عملية، ويبدو ان الارهاب ومن يقف خلفه مصمم على ضرب الوحدة الوطنية وجر البلاد الى حالة من الفوضى على خلفيات طائفية.
 منذ مطلع العام شهدت الاراضي المصرية سلسلة من الهجمات البشعة ضد الاقباط، منها عمليات العريش بمحافظة شمال سيناء التي نفذها تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم "داعش"، أدت إلى فرار عشرات الأسر المسيحية من المدينة خوفا على أرواحهم. ثم استهداف الكنائس في طنطا والاسكندرية وقبل ذلك لا تذهب من الذاكرة العملية البشعة لذبح مجموعة من الشباب الاقباط المصريين في ليبيا.
ازداد هذا الاتجاه من العنف الدموي الذي يستهدف اقباط مصر منذ العام 2011، حيث تستثمر التنظيمات المتطرفة المناطق الهشة في المجتمعات المحلية بهدف ضرب العيش المشترك للمجتمع المصري وخلق حالة من الفوضى، وهو هدف قديم تذهب بعض الاتجاهات الى عزو أحداث قديمة له مثل احداث الزاوية الحمرا في العام 1981 ايام السادات، ولكن في كل مرة يثبت المجتمع المصري انه الاكثر قدرة على تجاوز هذه المحن والاكثر قدرة على حماية العيش المشترك، حيث يشكل الاقباط نحو 10 % من سكان البلاد وهم اكبر مجتمع مسيحي عربي.
في الفترة الاخيرة ازداد الخطاب الدعائي الذي يستهدف اقباط مصر، وتحديدا بعدما اعلن داعش تبنيه عمليات كنائس طنطا والاسكندرية، وتوقيعه بياناته الجديدة باسم ولاية مصر بدلا من ولاية سيناء، واستهداف شخصيات مصرية قبطية والبدء بطرح خطاب دعائي يركز على الازمة الاقتصادية في مصر مدّعيا سيطرة الاقباط على الاقتصاد المصري. لا يمكن فصل هذه التحولات العملياتية على الأرض عن التحولات السياسية الاخيرة وتصاعد الاتهامات بين دول المنطقة برعاية الارهاب، الامر الذي بات مفتوحا على احتمالات واسعة قد تكون مصر في مقدمة الفاعلين الكبار في المشهد القادم.
فهم مصر اليوم  يبدأ من فهم القيمة العليا للتسامح في الشخصية المصرية عبر التاريخ، ومن قوة الاندماج والقرب الاجتماعي. حدث ذلك في مرات كثيرة في تاريخ هذه البلاد، وعلينا ان نراجع حوادث القرون الثلاثة الاخيرة التي اتسمت بتحولات واسعة كان العامل المشترك فيها قوة تماسك النسيج الاجتماعي المصري الذي خلق "المصرية العميقة" وليس "الدولة العميقة" والمتمثلة في خلطة من الوطنية والقرب الثقافي والانسجام الاجتماعي الذي جعل الحراك الاجتماعي بأبعاده الطبقية والثقافية طوال القرن الماضي موجها نحو مصادر التهديد الخارجية، فيما اوجدت الدولة المصرية الحديثة والمعاصرة ومنذ محمد علي المجتمع المصري بالمفهوم العلمي والثقافي وليس المجاميع الاجتماعية كما هو الحال في معظم البلدان العربية، لذا فالمخاض لن يطول كثيرا. ومع كل هذه المشاعر المتناقضة بين التشاؤم والتفاؤل بمصر القادمة فعلينا الاعتراف أن ما يحدث لمصر يوجعنا، ويوجعنا بعمق.

التعليق