فهد الخيطان

مليشيات على الحدود

تم نشره في الأربعاء 31 أيار / مايو 2017. 12:09 صباحاً

الطرف الثاني من الحدود الأردنية مع سورية، تتوزع السلطة فيه بين عدد من الفصائل المسلحة، منها المعتدل والمتطرف، ومنها المحسوب على دول إقليمية وازنة كإيران.
وضع مشابه على الحدود التركية مع سورية. خليط من الفصائل المسلحة، بعضها موال لتركيا وأخرى تتبع للأكراد، إلى جانب قوات روسية.
الحد اللبناني ليس أفضل حالا، فبالرغم من تواجد الجيش السوري عند نقاط حدودية وسيطرته الظاهرة، هناك حضور قوي لمجموعات إرهابية، تبقي الحدود في حالة اشتباك دائم، وهشاشة يتحمل الجانب اللبناني تبعاتها الأمنية.
على الحد العراقي، ثمة سباق محموم بين مليشيات الحشد الشعبي والتحالف الدولي بقيادة أميركا، لكن يمكن القول إن الحشد وضع قدما كبيرة على الحدود، ويطمح بتخطيها وصولا لسورية. ولا يخفي الحشد خططه لمسك الحدود العراقية مع الأردن.
المعالجات الأمنية للأزمة السورية لم تضع الحدود في اعتبارها بعد. الضامنون الأربعة لخطة المناطق الآمنة التي تمخضت عنها مباحثات آستانة، يركزون على الداخل السوري، لوقف إطلاق النار في أربع مناطق مقترحة.
الحدود بوصفها الخط الدولي والقانوني الفاصل بين الدول ليس له اعتبار بعد في حسابات القوى الدولية، وستبقى مهمة صيانتها على الجانب الثاني، في وقت تمكنت فيه قوى مليشياوية ومجموعات إرهابية من كسرها لا بل والسيطرة عليها لوقت طويل كما الحال مع تنظيم داعش على الحدود السورية العراقية.
السنوات السبع العجاف من عمر المنطقة، وما تخللها من أحداث تاريخية، وتطورات غير مسبوقة، سمحت للمليشيات والفصائل والمجموعات الإرهابية المسلحة بالتطاول على سيادة الدول والجيوش.
دول في المنطقة تتحمل المسؤولية مبكرا عن هذا الوضع. فحتى قبل أن تشهد سورية ما شهدته ومن قبلها وبعدها العراق، كانت سلطة المليشيات تتنامى في دولنا، وتتقدم على الجيوش.
في العراق مثلا سارعت القوى السياسية بعد الغزو الأميركي إلى بناء قواتها الذاتية عسكريا قبل أن تبني جيشا وطنيا للعراق، ونالت هذه المجموعات المسلحة دعما يفوق ما كان يخصص للجيش، حتى أصبحت بديلا منه. في إقليم كردستان الذي أخفقت الدولة العراقية في التفاهم مع مكوناته، تحولت "البشمركة" إلى جيش وطني خاص بالإقليم، ومصدر إلهام للانفصال والاستقلال عن الوطن الأم.
الأزمة الطاحنة في سورية بعثت فكرة المليشيات؛ النظام والمعارضة استهواها هذا المنطق، وتعاظم التدخلات الخارجية استوجب خوض الحروب بالوكالة، أدواتها مليشيات مستوردة، ومجاميع اجتماعية لم يعد لها من مصدر رزق سوى حمل السلاح.
ومع تآكل سلطة الدول، وتراجع نفوذها وغرقها في الحروب الداخلية، صارت المليشيات هي مصدر الشرعية للحكومات والوزراء وأصحاب القرار.
الحدود هى آخر ما تبقى من مظاهر السيادة للدول؛ دولة بلا حدود كأنها غير قائمة، ودول تنوب المليشيات عن الجيوش الوطنية في الدفاع عنها، لن تحظى يوما بالاستقرار. وإذ ما دانت السيطرة لها على الحدود، فاعلم أن مصير الإقليم كله مرهون للمجهول.

التعليق