"أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه"

تم نشره في الخميس 1 حزيران / يونيو 2017. 11:10 مـساءً

د. محمد المجالي

من جوار بيت الله الحرام أكتب، حيث هذا التجمع المهيب للمعتمرين، وهذا التعظيم لشعائر الله، لتجتمع فضائل الصلاة والصيام مع قدسية المكان والزمان، ألسنة تلهج بذكر الله تعالى، وأجمل ما فيها اختلاف اللون واللسان والعرق، لكن الإسلام يجمعهم وينظمهم ويبعث هذه العزيمة والوعي ليكون الجميع إخوة متحابين متعاونين متآخين.
كثيرة هي المشاهدات الإيجابية الباعثة على الأمل، وفي الوقت نفسه هي حاملة لنا جميعا على المسؤولية العامة تجاه هذا الدين العظيم، فالأمل بحاجة إلى عمل، لا مجرد عواطف وتنظير، فالحقيقة التي ينبغي تذكرها في هذا الوقت أننا عبيد لله مأمورون بعبادته وتعظيمه، وهذا الشهر العظيم فرصة للتذكر وانجلاء الغشاوة وأن نرى بالبصيرة لا بمجرد البصر، ونكتشف طاقاتنا ونبني إرادتنا التي تكاد تجتمع جهود الآخرين على إماتتها أو إصابتها بالشلل. وحين نكتشف ذاتنا وحقيقة وجودنا ومآلنا، فالعاقل هو الذي يسخّر الجهد للمهم والأهم، ويترفع أن يكون متكاسلا، فضلا عن أن يكون لاهيا لاعبا.
وهذا العنوان جزء من آية عظيمة في سورة الشورى، حيث يقول الله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبُر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب"، فهي وصية أنبياء وصفوا بأنهم أولو عزم، والوصية مشتملة على أمر ونهي، أن نقيم الدين ولا نتفرّق فيه، فالأصل في الدين أنه يجمع، وآن وصل الأمر أن يتفرق الناس فيه وبسببه فهي الطامة الكبرى.
واسم السورة هو الشورى الدال على حكمة ورأي ورزانة، ولعل آيات السورة عموما تتعاضد معا لتعزز قوة الشخصية ورجاحة العقل، وأين تكون الحكمة والوعي. ولعل هذه الآية الحاثة على وصية مهمة رئيسة أن نقيم الدين، ففي الدين عزتنا وقيمتنا الحقيقية.
وهذه الآية واحدة من اثنتين ذكرتا أولي العزم من الرسل، والأخرى في صدر سورة الأحزاب، والعزم مطلوب لأصحاب الهمم العالية، والأهداف السامية، فهذا الدين بحاجة إلى أهله، فقد اقتضت حكمته تعالى أن هذا الدين لا ينتصر بالمعجزات ولا بمجرد الدعاء، فلا بد من الجهود الكبيرة للنهضة، وصدق الله العظيم: "ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض".
هي دعوة في هذا الشهر العظيم شهر الصيام والقرآن أن نقف عند هذه الآية العظيمة، وصية أولي العزم لأقوامهم، أن نقيم الدين، وورد لفظ الإقامة مع الصلاة، فالأصل أن نقيمها لا مجرد أن نؤديها، ففي الإقامة خشوع وتدبر وتفكر وصلة بالله وحق التعظيم والثناء على الله تعالى.
وكذلك الدين لا بد أن نقيمه، ابتداء بأن نوقن بأن كل ما جاء فيه هو خير وحق وحكمة، فهو تشريع رب العالمين لا رأي بشر، وهو الذي أكمله الله وأتم به النعمة ورضيه لنا، فالقناعة بأنه حق وخير نقطة البداية، وبعد ذلك التطبيق والتبشير به، وأخذه جملة واحدة لا بتبعيضه وتمزيقه وتقزيمه، فعار على أحدنا أن يؤمن ببعضه ويترك الآخر.
ومع هذا الأمر يأتي النهي والتحذير من الفرقة، وهي مهمة الشيطان الرئيسة، فقد يئس إبليس أن يُعبَد في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش والتفريق بينهم، وما أسهل الاستجابة إلى عوامل الفرقة عموما، ولكنني هنا أركز على الاختلاف في الدين، فالأصل أن الدين يجمع ولا يفرّق، فإن كانت الفرقة فحق لنا أن نضع علامات استفهام حول تديننا وفهمنا لمقاصده وأحكامه.
يبين الله تعالى أن المشركين يستعظمون ما ندعوهم إليه من إفراد الله بالوحدانية والعبادة والقصد، فلا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا هو، فهذا الأمر بالنسبة للمشركين وعلى وجه الخصوص طواغيتهم يشكل خطرا على وجودهم وأفكارهم وانحرافهم، فالقرار أن يُحارَب الدين ويُضعف تأثيره في الحياة.
والحقيقة التي ينبغي أن ندركها في حياتنا أن الله يجتبي من عباده من يشاء، يختارهم سبحانه وهو أعلم بهم، وهو أيضا يهدي إلى طريقه من ينيب ويتوب ويلجأ إليه، فالله يخبرنا أنه يجتبي ويهدي، وبعض الأمور هي ابتداء شأنه تعالى، كأن يختار من يشاء للنبوة مثلا، ولكن الإنابة والتوبة والتوجه إليه سبحانه هي بيدك أيها الإنسان، وبتوفيق الله تعالى، فأنب إليه يهديك ويقبلك بل يتولاك.
ومع كثرة الإيجابيات التي أشاهدها هنا، إلا أن بعض الملحوظات السلبية القاتلة لا بد أن أشير إليها، أهمها الجهل العام، لا في أمور الدين فقط، بل في أبسط الآداب والذوقيات والنظافة والتعامل، وهذه مسؤولية مجتمعية متكاملة، التعليم والمسجد والإعلام وغيرها. ونقطة أخرى هذا البؤس والفقر الذي يعيشه غالبية المسلمين، وكأنه قرار استعماري أن لا تستقر دول وتكتفي ذاتيا، مع فساد واضح ينخر معظم الدول والمجتمعات الإسلامية.
الجهل والفقر يؤديان إلى قهر وشعور بالدون والذل، وقد يتطور الأمر إلى تطرف لا نريده جميعا، لأنه أول ما يفتك بصاحبه.
المسؤولية عامة أن نوضح أن الدين خير لا شر، وكل المحاولات المبذولة من أجل إضعافه لأي سبب هي مقوِّضة للعبودية التي ينبغي أن نتمثلها مع الله.
ينحرف كثيرون خلال العام ويضل بعضهم، ولكن شهر رمضان يؤدي دوره الروحاني في هذا الصفاء للروح، فتتبدد جهود كثيرين ويرجع كيدهم عليهم، فهؤلاء الذين عملتم على إضلالهم قد استنارت بصيرتهم، وها هم روّاد مساجد وقائمو ليل وقد وعوا هدفهم ورسالتهم.
أقيموا الدين أيها المسلمون، بالحكمة والاعتدال والفهم، ولا تسمحوا لأحد بأن يفرق جمعنا، خصوصا إن كانت الجهود من أتباع الفرق والمذاهب والجماعات الإسلامية، فطاعة الله أولى من طاعة هؤلاء، فهو يريدنا أمة واحدة عابدة متقية له سبحانه، ولعل هذا الشهر يسهم أكثر وأكثر في تجلية هذا الهدف.

التعليق