القرآن الكريم والحجج العقلية

تم نشره في الخميس 1 حزيران / يونيو 2017. 11:09 مـساءً

أسامة شحادة

يظنّ كثير من الناس أن القرآن الكريم يخلو من الحجج البرهانية والعقلية، وأنه يقتصر فقط على الأدلة البيانية، ولذلك قسم بعضُهم الأدلة إلى أدلة شرعية وسمّوها سمعيات أو نقليات من القرآن الكريم والسنة النبوية، وأدلة عقلية خارجة عن القرآن والسنة، وهذا خطأ.
فالأدلة الشرعية نوعان: أدلة نقلية أو سمعية محضة كأخبار نعيم الجنة، وأدلة شرعية عقلية كأدلة وجود الله والنبوة والمعاد. قال السيوطي: "قال العلماء: قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة، وما مِن برهان ودلالة وتقسيم وتحرير يبنى من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطق به، لكن أورده على عادات العرب دون دقائق طرق المتكلمين لأمرين: أحدهما: بسبب ما قاله "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليُبيّن لهم" (إبراهيم: 4). والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام".
وقد صرح القرآن الكريم بذلك فقال تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان" (البقرة: 185)، والبيّنات التي جاء بها القرآن منها سمعية محضة ومنها سمعية عقلية، وهل يعقل أن يفصل الوحي -قرآنا وسنة- في الأحكام والحلال والحرام ويقصّر في بيان أدلة أصول الدين وتثبيت الإيمان في النفوس؟
ألم يقُل ربنا في القرآن الكريم: "قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" (الأنبياء: 24)، وهذا طلب للبرهان والدليل ومقارعة للحجة والبينة بالحجة والبينة والبرهان.
وقد استعرض د. سعود العريفي في رسالته الجامعية: "الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد" خمسة مسالك للاستدلال النقلي العقلي في القرآن، هي:
1 - ضرب الأمثال، والتي هي القياس العقلي بعينه، وأخبر سبحانه وتعالى أن العالمين هم من يعقل هذه الأمثال القرآنية "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون" (العنكبوت: 43)، وكما يقول ابن القيّم: "فالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما والفرق بين المختلفين وإنكار التسوية بينهما".
ومن أمثلة القرآن قوله تعالى: "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير" (فصلت: 39)، فهذا مَثل ضربه الله عز وجل كدليل نقلي عقلي على إمكانية البعث بعد الموت، بإنبات الأرض الميتة الجرداء للنبات.
2 - قياس الأولى، وهو ما كان في حق الله عز وجل لقوله تعالى: "ولله المثل الأعلى" (النحل: 60)، فكلّ كمالٍ لمخلوق فاتّصاف الخالق به أولى وأكمل.
3 - السبر والتقسيم، وهو حصر للاحتمالات وحذف الباطل منها، كما في قوله تعالى: "أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" (الطور: 35)، فوجود الناس هل كان من عدم؟ أم كانوا هم الخالقون لأنفسهم؟ ومعلوم أن العدم يحتاج إلى سبب لوجوده، ومعلوم أن الناس لا يَخلقون أنفسهم، فلا بد من موجد وصانع وخالق للناس حتى يكون لهم وجود، والعاقل النزيه يقرّ بوجود الخالق ويلتزم المنطق القرآني والدليل النقلي العقلي.
4 - الافتقار للدليل نفيا وإثباتا، فمن المجمع عليه أن العلم ما دلّ عليه الدليل إثباتا ونفيا، وأن عدم العلم ليس علما بالعدم، فمن لا يَعرف اليوم مثلا أنه تم اكتشاف كواكب جديدة أو جزيئات إضافية في النواة فليس هذا سببا علميا لنفي وجودها، وقد كرر القرآن الكريم مجادلة المنكرين والكفار بذلك، فقال تعالى: "ما لهم بذلك من علم" (الزخرف: 20)، "تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم" (غافر: 42)، فالكفر والالحاد ليسا موقفا علميا موضوعيا، فأكبر ملحد لا يملك دليلا على نفي وجود الخالق والإله، وأقصى ما عنده أنه شخصيا ليس لديه دليل على وجوده أو لم يقتنع بالدليل أو يكابر وينكر وهو الغالب على حال الملحدين، ولذلك قيل في الملحدين وأمثالهم: لم يقبلوا الحق بالبرهان، ورضوا بالباطل من غير برهان!
وغالب شبهات الملحدين -قديما وحديثا- هي من هذا الباب، باب عدم علمهم وعدم خضوع ما يدعو له الدين للتجربة الحسيّة أمامهم، وحالهم كحال من ينكر اليوم كثيرا من المكتشفات العلمية التي لم تشتهر بعد وتنتشر.
فمِمّا لا يعلم البشر حقيقته: الروح والموت والبعث يوم القيامة، ولكن القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة أخبرت عن البعث والنشور وحساب الناس وثوابهم وعقابهم، لكن هذا لا يخضع لتجارب البشر وحسّهم، فأنكره الملحدون والكفار، وآمن به المؤمنون لاقتناعهم بأدلة الوحي السمعية المحضة والسمعية العقلية على صدق القرآن، ولكن مع هذا يَكتشف العلم في كل مدة جوانب جديدة تعزز هذا الإيمان باليوم الآخر.
فقد أخبرنا الله عز وجل في القرآن الكريم: "وهو الذي يُرسل الرياح بُشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحابا ثِقالا سُقناه لبلدٍ ميّت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نُخرج الموتى لعلكم تذكّرون" (الأعراف: 57)، وحول حقائق هذه الآية تنقل الباحثة أفنان الغماس في رسالتها للماجستير (منهج القرآن الكريم في دحض شبهات الملحدين)، أن بعض العلماء سحق أوراق شجرة الدخان (التنباك) سحقا شديدا وعرضها لحرارة شديدة حتى فنيت الخلايا وزالت آثار الحياة وتحققت صفات الموت لها، لكنها حين استنبتت نبتت وظهرت فيها الحياة من جديد! "إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير" (فصلت: 39).
وطبّق طبيبٌ ألماني التجربة على البشر، فاستخرج بعض البكتيريا من جثة عمرها 3500 سنة، ووضعها في محلول غذائي (الليتوم) 17 ساعة ثم فحصها بالمجهر فلاحظ أنها تتحرك وعاشت!
ويجب على أهل العقول أن يتفكروا في هذه المكتشفات العلمية الحديثة التي تؤيد أدلة الوحي السمعية والنقلية المحضة وأدلة الوحي النقلية العقلية على الإيمان باليوم الآخر والبعث والنشور.
5 - دلالة الأثر على المؤثر، أو ما اشتهر بالمقدمات والنتائج، ولعل مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام من أوضح الأمثلة على ذلك، فقد زعم النمرود أنه يحيي الموتى في مغالطة سخيفة! فتجاهله الخليل عليه السلام لحجة أوضح وقال: "فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأْتِ بها من المغرب فبُهت الذي كَفر والله لا يهدي القوم الظالمين" (البقرة: 258)، ولذلك لم يجرؤ أحد عبر التاريخ على ادّعاء خلقه للأرض أو السماء أو البشر أو الحيوان أو النبات.
هذه هي منهجية القرآن الكريم في بيان الحجج العقلية، وهي في نفس الوقت حجج خطابية سمعية نقلية، وبذلك جمع أتباع الوحي في الكتاب والسنة بين السمعيات والعقليات على منهج القرآن الكريم، فاستقام لهم منهج التفكير، وقامت حضارة الإسلام على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية.
بينما حين استقلّ البعض بمناهج عقلية بعيدة عن أنوار الوحي الرباني انقسموا لفلاسفة ومتكلمين يطعن بعضهم في بعض، ويطعن كل فريق منهم على بعضه البعض، ولذلك نرى صراعات الفلاسفة تتجدد عبر الزمن وتتجدد معها كوارثها على البشرية عسكريا وأخلاقيا وفكريا واقتصاديا، ونرى نزاعات المتكلمين تتجدد كل حين بين الأشاعرة والمعتزلة وبين أتباع الطيف الواحد، كل هذا وهُم يَرفعون شعار العقلانية والتقدم، وهذا الصراع والنزاع هو ما يَنتظر الأمة إذا ما نشرت بينها هذه المناهج المتنازعة والنابعة من الأهواء والآراء الذاتية في الحقيقة والواقع.

التعليق