أميركا البديلة: عن "آذر نفيسي" و"دونالد ترامب"

تم نشره في الجمعة 2 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

كما عملت "آذر نفيسي" على جَلْد نِظام المُلّا في طهران في عملين (أدبيين/ نقديين) هما: 1 - أن تقرأ لوليتا في طهران. 2 - أشياء كُنتُ ساكتة عنها: ذكريات. ستعمل على جْلَد النظام الأميركي بصيغته السوسيوثقافية، والتي هي بالضرورة منبثقة عن سياق سياسي براغماتي، في عمل (نقدي/ أدبي) هو: جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب.
بالعودة إلى الوراء، وأثناء التأسيس لإيران بديلةٍ، ستعمل "آذر نفيسي" على استحضار (شاهنامة) الفردوسي، بصفتها عملاً أدبياً أسَّس للروح القومية الفارسية، في مواجهة السردية الإسلامية، التي كادت أن تُطيح بالثقافة الفارسية وتقضي على سرديتها. لذا يصير مثل هذا الاستحضار استحضاراً قومياً بالدرجة الأولى، لناحية الانتصار لثقافة يُوشك نظام ديني على إبادتها؛ لذا فعندما تُؤسِّس "آذر نفيسي" لإيران بديلة فإنها تستحضر روح الأجداد كما هي في صيغتها القومية، حفاظاً على ذلك الإرث من الطمس والتهميش، علي أيدي أعداء "الفردوسي" و(شاهنامته)، حتى وإنْ ادّعوا وفائهم لروح الأجداد.
بالتموقع فيما نحنُ بصدده، وأثناء التأسيس لإميركا بديلة، ستعمل "آذر نفيسي" على استحضار ثلاثة من الأعمال (1 - رواية هكلبري فن لـ مارك توين. 2 - رواية بابيت لـسنكلير لويس. 3 - القلب صياد وحيد لـ كارسون ماكالرز) المُؤسِّسة للروح الأميركية، في صيغتها النقية، بعيداً عن التلوّثات التي لحقتها بفعل المسوخات السياسية المُتعاقبة، والتي قادت إلى ما قادت إليه من استبعادٍ لكثير من دروس الفلسفة والفنون والآداب في المدارس الأميركية، إلى درجة أن خطراً مُحدقاً بالثقافة الأميركية قد يعصف بتاريخ الأنوار الذي انتقل إليها، وتجلّى تجلّيه الكبير في فيلسوفين (وليم جيمس + جون ديوي) كان لهما الدور الأبرز في بلورة الروح الأميركية في شقّها المعرفي، كما كان لغيرهما من الأدباء الدور الأبرز في بلورة الروح الأميركية في شقّها الأدبي.
إذاً، ستختار "آذر نفيسي" ثلاثة من الأعمال الأدبية، ليس لإعادة نقد أميركا فحسب، بل لإعادة إنتاجها من جديد. فالصيغة التي آلت إليها أميركا هي صيغة مُتهالكة ومُتداعية ويمكن أن تفتك بالإنسان بسهولة. وإذا كانت الفترة التي كتبت بها "آذر نفيسي" كتابها (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب) هي الفترة التي كان فيها "باراك أوباما" رئيساً للولايات المتحدة؛ فإن الوضع ازداد سوءاً عقب استلام "دونالد ترامب" الرئاسة في أميركا، فهو يمثّل حالة مُتقدّمة من انحطاط عصر الأنوار العقلي/ الأدبي، إذ يتجلّى ظلاماً سياسياً، لديه القدرة على الفتك بحيوات الآخرين دون أن يرفّ له جفن أو تطرف له عين. وفي تحليل ذكي لراديو "مونتي كارلو" كان قد وصف تقرير الزيارة الأخيرة لـ "باراك أوباما" إلى ألمانيا كآخر زيارة له كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، على أنه اعتراف من أوباما بانتهاء عصر الأنوار في أميركا، وانتقاله أو عودته إلى ألمانيا.
تكتب "آذر نفيسي": "جميع الكتاب والشعراء غرباء، أو منبوذون، كما شاءت أن تسميهم حنة أرنت. إنهم ينظرون إلى العالم عبر عينيّ الرجل الغريب، إلا أن الكتاب الأميركيين هم وحدهم الذين يحوّلون الخاصية إلى ميزة وطنية. "الناس جميعاً غرباء" هكذا كتبت كارسون مكولرز، ومن ثم أضافت قائلةً: إنما غالباً ما يبدو لي إننا نحن الأميركيين أكثر الناس وحدة من بين الجميع. إن تعطشنا إلى الأمكنة الأجنبية، والطرائق الجديدة، قد لازمنا وكأنه نوع ما أشبه بمرض وطني. أدبنا مطبوع بصفة التلهف والقلق، وكتّابنا كانوا على الدوام أكبر التائهين. انطوى إدغار ألن بو على نفسه كي يكتشف عالمه المخيف والمتوهج. ووالت ويتمان أكثر المتشردين نبلاً، رأى الحياة بوصفها طريقاً واسعاً مفتوحاً. وهجر هنري جيمس بلد عهد مراهقته متجهاً صوب بريطانيا وصوب التدهور الوهمي لقاعات استقبال القرن التاسع عشر. جعل هرمان ميفيل قبطانه أهاب يلجأ إلى تدمير ذاته في إبحاره الجنوبي نحو الحوت الأبيض الهائل. وتوماس وولف وستيفن كرين تاها طوال سنوات حياتيهما، ولستُ متيقنةً ما إذا كانا هما نفساهما يعرفان ما الذي كانا يبحثان عنه".
تُكمل "آذر نفيسي": "كتبت مكولرز هذه المقالة كي تنصح الكتّاب الأميركيين بالعودة إلى وطنهم، بأن ينقلبوا إلى الداخل".
ولكن السؤال المطروح هَهُنا: كيف لـ "آذر نفيسي" أن لا تسعى إلى انتقاد أميركا فحسب، بل إلى إعادة إنتاجها، لكي تبقى أرضاً للحُلم، كما عبّر عن ذلك الشاعر "لانغستون هيوز" في قصيدته (لتكن أميركا مرةً أخرى أميركا)؟.
في العام 2008 ستحصل "آذر نفيسي" على الجنسية الأميركية، لذا تنتقل من كونها محض مُتلّقية للثقافة الأميركية ومُدرّسةٍ لها، إلى مواطنة أميركية لها ما للمواطن الأميركي من حقوق وواجبات، وإنْ كانت آتية من أرض بعيدة، مليئة بالملالي وأصحاب العمامات. لكن لن يكون هذا السبب –أعني كونها مواطنة أميركية- الرئيسي في نقد النموذج الأميركي بصيغته الفاعلة آناً، والبحث عن بديل أكثر إنسانية، كما بحثت من قبل عن نموذج آخر غير ذلك القائم في بلدها الأصلي إيران، بل سيكون كونها مثقّفة بالدرجة الأولى، فإحدى مهام المثقّف هي التأسيس للروح الجمعية على المستوى الإنساني، لا سيما إذا ما كان هذا المُثقّف مثقّفاً حقيقياً، فهو انعكاس لروح الأمة القلقة والباحثة عن مخارج لأزماتها المادية والروحية المُتعاقبة، لذا يصير البحث عن بديلٍ إنساني غير ذلك الذي يصنعه السياسي، أمراً مُلحَّاً. وهذا ما ستعمل "آذر نفيسي" على بلورته في عملها: (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب). فهي شاهدة –حتى قبل أن تصير مواطنة أميركية، من خلال ملاحظاتها على عديد كتب من الثقافة الأميركية- على انفصام وانفصال بين أميركتين: واحدة عظيمة وأخرى مُتهالكة، واحدة بهية وناصعة وأخرى قاتمة وسوداء، واحدة اشْتُغل عليها إنسانياً وأخرى تسعى إلى تدمير الإنسان، واحدة ناعمة وودودة وأخرى خشنة وقاسية، واحدة تؤمن بالتطوّر الروحي للأفراد وأخرى تسعى إلى تدمير تلك الروح، واحدة أسّس لها على المستوى الروحي كل من: "وولت وايتمان" و"مارغريت ميتشيل" و"أرسكين كالدويل" و"هنري ميلر" و"مارك توين" و"سكنلير لويس" و"كارسون ماكالرز" و"وليم فوكنر" و"إرنست همنغواي" و"أو. هنري"، وغيرهم الكثير الكثير، ما أدخلها في علاقة حميمة مع الإنسانية جمعاء، وواحدة أسّس لها على المستوى العسكري والاقتصادي حزمة من الاقتصاديين والسياسيين المتوحشين الذي دخلوا في علاقة تدميرية مع البشرية جمعاء، ما جعل المرء يتأرجح بين نموذجين بارزين لأميركا: 1 - نموذج أميركا الحُلم البهي البديع، بصفتها رَحِماً قادراً على استيعاب النُطف من شتّى أصقاع العالَم، حتى وهم ينتقدوها ويحاولون تصحيح مساراتها الروحية والمادية. 2 - نموذج الأمركة الذي تحوّل إلى كابوس مُريع، لا غاية له إلا الإزعاج وإقلاق حيوات الناس، لصالح حفنة متوحشة من أصحاب رؤوس الأموال الطائلة والسياسيات البراغماتية الُمرعبة.
وهذه الأخيرة، هي التي تُعقّب عليها "آذر نفيسي" في عملها (جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب)، فهي تسعى إلى استعادة أميركا المُختطفة من قبل نموذج سياسي، لا همّ له إلا مصالحه الشخصية، ما ينعكس سلباً على روح الأمة الجمعية، فهو نموذج يُحارب ما يُعزّز روح الإنسان من فلسفات وآداب وفنون وموسيقى، على حساب ما هو عملي وبراغماتي. وفي سعيها لاستعادة أميركا المُختطفة، ستختار ثلاثة منها أشرت إليها أعلاه، وتنتقد من خلالها المجتمع الأميركي بصيغته الآنية نقداً لاذعاً ومُنتجاً.

التعليق