هؤلاء القتلة؟

تم نشره في الجمعة 2 حزيران / يونيو 2017. 12:08 صباحاً

الذين يفجرون أنفسهم بالناس المصادفين أو يقتلونهم بالتفجير عن بُعد بحجة أنهم كفار أو مسلمون مرتدون، يعيشون في أزمة طاحنة ناجمة عن الإفلاس الديني، بعدما فشلوا في إدامة الدولة، وديمومة التمتع بالثروة والجنس، واكتشفوا اتحاد العالم ضدهم وإصراره على تصفيتهم كيانياً وجسدياً وفكرياً. إنهم في الحقيقة يعانون من الاستلاب الديني الشامل لعقولهم على الرغم من تباهيهم بالعكس لإخفاء هذا الإفلاس أو الاستلاب. لقد فقد بهما كل منهم ذاته أو شخصيته المستقلة الخاصة فلا يستطيع استعادتها.
لا يوجد للإرهابي - نتيجة هذا الإفلاس أو الاستلاب العميق- ذات مميزة أو مستقلة لأن المعتقدات الإرهابية احتلتها وأقامت  قواعد ثقيلة ثابتة فيها تسحقها وتلغيها لدرجة الرغبة في الفناء بحزام ناسف ينفجر في قاعة احتفالات، أو في عزاء، أو في عرس، يحول نفسه والناس المصادفين فيها إلى أشلاء، أو بكمين لباص يحمل الأبرياء من مواطنيهم من الجنسين ومن مختلف الأعمار في طريقهم لأداء شعائر دينية فيقتل ويجرح العشرات منهم، معتقداً أنه بالتفجير والموت به صاعد إلى السماء فوراً حيث الجنة والحوريات بانتظاره.
لا ينفع مع هذا النفر نقاش أو حوار لأن جواب الواحد منهم عند أمه وليس في فمه أو كمه، لأنه لا يستطيع التفكير مستقلاً، وليس لديه ما يقوله غير النص الذي يحتله. لقد تخلى عن ذاته أو استلبت منه فلا يحاورك إلا بتفجير أو بانفجار.
إن الإرهابي ليس حراً وكذلك أفعاله لأنه مُسْتلَب الذات والعقل. لقد حل محلهما ذات خارجية وعقل آخر يديرهما النص. وهكذا تتحكم القاعدة وداعش وطالبان وأشكالهما به، فتقتل مخلوقات الله وكأنها ليست كذلك، وإنما مخلوقات الشيطان.
في بيان قوي وبليغ لسمو الأمير الحسن: "إن العنف والكراهية والتزمت ظواهر كارثية تعمي الأبصار عن إنسانية الآخر، وتحط من شأننا أمام الله والبشرية جمعاء، كما أنها العدو الطبيعي للسلام والمساواة والإنصاف والتنمية".
وفي مقالة يعصر صاحبها الألم بعنوان: "ألف سؤال وسؤال" يطرح الأستاذ ماجد توبة السؤال الكبير: "من يمثلني كعربي ومسلم"؟ فهل من مجيب؟
بأدلجته الدينية السياسية القاهرة الملغية للذات والعقل، يصبح الإرهابي متعطشاً أو ظمآناً لقتل نفسه، وقتل الآخر. ولأن طعم الدم يصبح مالحاً بمزيد من القتل فإنه يبقى متعطشاً أو ظمآناً إليه، فكلما زاد شربه منه أزداد عطشه أو ظمأه إليه، فلا يرتوي منه أبداً.
يقول مارشال ماكلوهان: إن الوسيلة هي الرسالة فإذا كان الدم هو الوسيلة لإقامة الدولة فإنه سيكون وسيلة الدولة للبقاء وليس الرسالة.
في ضوء ذلك أدعو الآباء والأمهات النائمين إلى اليقظة من الغفلة بالانتباه إلى أطفالهم في الشارع والمدرسة.. من الاستلاب لأنهم قد يُخطَفون منهم في الصباح، وقد يكفرونهم أو يفجرون أنفسهم بهم في المساء بعد الاستلاب.
*******
آسف لفهم بعض القراء الأفاضل لما ذكرته في المقال السابق أن بعض فقرات قانون التربية والتعليم "عفى عليها الزمن" مثل: التمسك بعروبة فلسطين.. والحقيقة أن نقدهم لهذه العبارة ونقد بعضهم لي شخصياً وارد مع أنه لم يخطر على بالي أبداً ما فهموه لو ربطوا هذا البند بما بعده من بنود التي ذكرتها تالياً له التي تبدو وكأنها ماتت أو غير موجودة أو عفى عليها الزمن بتنحيتها من الخطاب العام والعقل والوجدان عند الناس وعند المسؤولين بعد معاهدة وادي عربة، لأنها لا تعلم في المدرسة بعد إلغاء تعليم قضية فلسطين نتيجة لها ولا يثير غياب تعليمها اهتماماً يذكر عند كثير من الناس والمثقفين.
لقد حُمّلت العبارة غير ما تحتمل لحرص بعض القراء الاستثنائي وحساسيتهم الشديدة على عروبة فلسطين الذي كشفت عنه هذه العبارة أو كلمة عفى بالذات.
لتعرف فلسفتي وموقفي من قضية فلسطين إذا كنت مهتماً بمعرفتهما فاقرأ كتابي: "وهم الوطن البديل والأردن وفلسطين وإسرائيل 2013"، وتذكر أن حماس والإسلاميين يعتبرون قضية فلسطين قضية إسلامية لا عربية، أو وقف إسلامي ليس لأحد الحق في التفريط فيه وهي كذلك ايضاً. أما منظمة (التحرير الفلسطينية) تعتبرها قضية فلسطينية ثانياً وأخيراً.

التعليق