د.أحمد جميل عزم

منى عبدالله العاقوري

تم نشره في الجمعة 2 حزيران / يونيو 2017. 12:07 صباحاً

عندما كتبتُ يوماً عن المهندس والمصوّر الفنان والإنسان وليد الخطيب، كتبتُ تحت عنوان "أحببنا حبهم لك"، يومها لفتني حُب النّاس له. رحلَ نهاية عام 2011، كانّ عاشقاً لفلسطين والأردن، عبر عدسته، مما قاله محمود درويش عنه، "قلب يمشي على قدمين"، وقال بسام أبو شريف: "كان ضروريا لنا في هذه الحياة". وقال مثنى غرايبة: "عِشتَ لتعطينا مثالا كيف نحيا". وأجد نفسي هذا الأسبوع أكتب عن منى عبدالله العاقوري، بعد أن شاهدتُ، لا كيف أحبها الناس وأحبتهم وحسب، ولكني كيف أحبّوا أيضاً حُبّها لِشخصٍ أحبّوه. كأنها مع زوجها، والخطيب، وآخرين "فصيلة الحبّ في الثورة"، فصيلة ما كان زوجها يسميه "خُدّام اللطافة"، "فصيلة القلوب السائرة على الأرض".
عندما شاهدتُ صديقي المناضل حسن صالح أول مرة، كان يتحدث، في أمسيةٍ على مسرح المحكمة العثمانية الأثري، الخارجي، في رام الله، عن أريحا، التي كان رئيس بلديتها حينها. مدّ يده للقمر، وهو يتحدث عن مدينته التي يعشق، وهو المحامي الذي تَنقَّلَ كثيراً في ساحات القتال والتنظيم والثورة والكتابة، فكأنّ القَمَر حَطَّ يَومَها على كَفِّه. والأربعاء الفائت، وفي لقاءٍ رمضاني، في رام الله، حول فنجان قهوة وقطايف، تداعى حوله نحو سبعين شخصاً، تحدّث عن منى ومحجوب، فبدا أنّ قمراً يتجلى في المكان، فقال "كانا حالةً مميزة في سِفر الثورة الفلسطينية، وفي السلوك الإنساني، أول من أمس كانت منى سعيدة، بالذهاب إلى حبيب روحها.. سيبقيان في البال طالما ظلّ (الصّح) في البال.. فلسطين سعدت بهما".
كانت منى لبنانية مارونية، خالها كريم بقردوني قائد حزب الكتائب اللبناني، أحبّت فلسطين، والتزمت بها، فقاطعها أهلها، وظلّت على حُب فلسطين. لم تكن فتاةً عابرة، دكتورة للأدب الفرنسي. تعرّفت كما يخبرنا د. نبيل شعث على رؤوف نظمي ميخائيل عبدالملك، في باريس، فالتقى حبهما لفلسطين والتقيا. هو طبيب مصري قبطي، أخذ لقبه محجوب عمر، كان اسمه الحركي في نضاله اليساري في مصر، ثم أخذ لقب الحكيم عندما انضم للثورة الجزائرية، وقبل التحاقه بالثورة الفلسطينية، هو كما يقول شعث "كان يمنح الحب لكل العالم أكثر من أي شخص في العالم"، ويكمل "أعطتهُ هي كل الحب والطمأنينة والحنان لآخر لحظةٍ في حياته" أثناء مرضه.
تُخبرنا صديقتها روز الشوملي، أنها كانت من أسرة أرستقراطية، تحب قريبة صغيرة، تدعى كارول، وعندما أصرّت على فلسطين، حرمتها عائلتها حتى من رؤية الصغيرة. أحبت الناس، فجعلت مساعدة اللاجئين، في لبنان هدفاً. ففي تل الزعتر، مثلاً جاءتها النسوة يرجون تعليمهن؛ كنّ يردن الانغماس في الثورة، وتحديداً دخول دورة إسعافات أوليّة، ولكن مسؤول التدريب رفض لأنّهن أميّات فأردن التعليم ليدخلن الثورة. ذَهبَت للخوري الماروني مكرم قزح، وجعلته يدرّب معلمات وطالبات ثانوية عامّة، ليصبحن معلمات محو أميّة. وتفاجأت أم فلسطينية شابة، مسيحية، تعيش في لبنان، أنّه عندما أخذتها منى لتعميد طفلتها الصغيرة، أنّ الأب مكرم، وضع في منتصف الكنيسة في منطقة برج حمود، طاولة، عليها كوفيّة فلسطينية، عليها طلقة رشاش، وبدأ بتلاوة كتابات رهبان أميركا اللاتينية، الذين اشتركوا في الثورات ضد الطغيان، واختار من الإنجيل آيات العدل والحرية.
بعد الخروج من بيروت، عاد رؤوف الذي قاتل مع الثورة عبر الحدود من جنوب الأردن، وكان طبيباً، وأديباً، وكتب عن "الأشرفية"، ومفوضاً سياسياً يقوم في جنوب لبنان بتلقين الشُبّان معنى السياسة والثورة والوطن، ويُهذّب روحهم، والعامل في مركز التخطيط الفلسطيني، وفي دار الفتى العربي الهادفة لنشر كتب الأطفال وتعليمهم، عاد مع مُنى لبلده، مصر. وكانت الكتب تحيطهم في كل مكان، حتى تحت شبه السرير، الذي صنعوه من لوح خشب، وكانت هي تنظّم بدقة كتبه وكتاباته المنشورة وغير المنشورة.
كان أصدقاء ومحبي منى ومحجوب ليلة الأربعاء الفائت، في حالةِ حُبّ صوفيّة.
عندما كتبتُ عن محجوب، بعد وفاته عام 2012، اقتبستُ من منى حديثها عنه في نقابة الصحفيين؛ عن ألواح الخشب في بيتهم، وكيف يتركونها دون طلاء، يمررون القطنة عليها لتضيء و"تَلمَع سُطور الخشب، ويخرج منها النور". هكذا رأتهُ، وهكذا كانت هي، إنسانا شفافا، بلا طِلاء؛ فقط قطنة ثورة الإنسان تَمُر عليهما لتبرز أجمل ما فيهما.  

التعليق