عيسى الشعيبي

زوبعة في فنجان خليجي

تم نشره في الجمعة 2 حزيران / يونيو 2017. 12:05 صباحاً

منذ عشرة أيام واكثر، تلبدت في سماء الخليج العربي غيمة داكنة لم تنقشع بعد، هي الاكبر من نوعها في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، الذي مضى على قيامه نحو سبع وثلاثين سنة عاصفة بكل الانواء، ظل فيها المجلس متماسكاً الى ابعد الحدود، يعقد اجتماعاته الدورية بانتظام، يؤدي دوره المطلوب، لا سيما في قيادة العمل الرسمي العربي، على عكس غيره من المجالس العربية الاخرى، التي ذهبت ادراج الرياح بعد سنوات قليلة، وأحياناً بعد اشهر على الاعلان عن قيامها كيفما اتفق.
تقوم هذه المطالعة على فرضية قوامها ان ما يحدث بين بعض اعضاء مجلس التعاون مجرد زوبعة في فنجان، غير مقدر لها ان تتفاقم اكثر في المدى المنظور، او تجتاز نقطة اللاعودة، وان هذا التلاسن عبر الأثير ليس اكثر من عملية تنفيس لحالة احتقان تصاعدت في الآونة الاخيرة، لأسباب معلومة، ليس من المفيد عرضها واعادة التذكير بها، كونها لا تزال حاضرة في الاذهان بقوة، ومثارة في مختلف وسائل الاعلام بغزارة.
ذلك ان هذه الموجة من الهجمات الكلامية، التي بدت وتيرتها اعلى بكثير من الموجة السابقة قبل ثلاثة اعوام، ما تزال دائرة في نطاق الحيز الاعلامي، ولم تتحول – بفعل عوامل واعتبارات كثيرة- الى اشتباك سياسي، احسب ان نتائجه السلبية محل ادراك خليجي مسبق، سواء لجهة الارتدادات السياسية والخسائر المعنوية المتبادلة، او لجهة المضاعفات المحتملة، التي قد تنجم بالضرورة الموضوعية عن كل اهتزاز او اضعاف يطال المنظومة الخليجية المستقرة.
ولعل الحرص المشترك على ابقاء الخلافات الخليجية هذه في نطاق المساجلات الاعلامية فقط، يعكس حرصاً مماثلاً على ابقاء هذه الاختلافات تحت السيطرة والتحكم، والحؤول دون انزلاقها الى ارضية سياسية رخوة، قد تفضي الى قطيعة دبلوماسية، او غير ذلك من الاجراءات والتدابير التي تصاحب كل خلاف سياسي بيني، على نحو ما تقصه علينا حكايات عربية مشابهة، كانت تؤدي في الغالب الى قطيعة تصل حد سحب السفراء واغلاق الحدود المشتركة، وفي بعض الحالات الى حروب موضعية محدودة.
يعزز منطق هذه الفرضية الذاهبة مذهب التقليل من حجم الازمة الناشئة، والتشديد على محدوديتها، انه في كل الخلافات الخليجية السابقة، ومعظمها كان دائماً تحت السطح، مكتوماً وبعيداً عن التناول الاعلامي، كانت التقاليد المعمول بها لدى قادة مجلس التعاون، تنجح في وضع الخلافات على مائدة البحث خلف ابواب مغلقة، والتداول بها بروح التصالح والقبلة على "الخشم"، فضلاً عن تغليب الحكمة ومبدأ الاخوّة والمصلحة المشتركة، ومن ثمة إعادة ضبط التوقيت السياسي للعواصم الخليجية، وفق التوقيت السعودي على الأغلب.
صحيح ان هذه الحملات الاعلامية المتبادلة ليست مقطوعة الصلة عن الحالة السياسية الناشئة مؤخراً، حتى لا نقول ان هذه الحملات مثقلة بالهواجس الكامنة، وربما سوء الفهم، وايضاً المناكفة، الا ان طابعها العام ظل محكوماً بما يمكن ان نسميه العتب واللوم، الى جانب خيبة الامل المتبادلة، اي بعيداً عن لغة البيانات الرسمية الحادة، والمواقف التي تتصبب تهماً وتحريضاً ووعيداً، وغير ذلك مما كان يحفل به الخطاب السياسي العربي الكلاسيكي في مثل هذه الحالات، التي كانت سائدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ازاء ذلك، ليس تهويناً من وقع هذه الازمة على الاسماع العربية، التي تتابع هذه السجالات الاعلامية بترقب لا يخلو من الحذر والنأي بالنفس عنها، القول بأن الازمة مجرد سحابة داكنة، او حتى الزعم انها تشبه زوبعة في فنجان خليجي في حجم فنجان القهوة السادة، الذي تُستهل به اللقاءات بين عرب شبه الجزيرة العربية، وبينهم وبين ضيوفهم من العرب والاجانب، وهو ما يدعونا الى انتظار ما سوف تسفر عنه الوساطة الكويتية من نتائج شبه متوقعة.
وحدهم الايرانيون من أسعدتهم هذه الزوبعة، التي قرأها بعضهم على انها فرصة سانحة ينبغي الاستثمار فيها، باتخاذ جانب طرف معين، والدفاع عن خطابه الاعلامي، حتى ان اوساط الحرس الثوري راحت تمني نفسها، على رؤوس الاشهاد، بسماع دوي القصف المدفعي وتراشق الصواريخ بين الدول الخليجية، وهو امر محذور، أحسب ان الاشقاء سوف يفوّتونه على تلك النفوس المريضة.

التعليق