مغنية الحي لا تطرب..

تم نشره في الجمعة 2 حزيران / يونيو 2017. 12:04 صباحاً

حتى  ستينيات القرن الماضي وقبل تأسيس الجامعات الاردنية كان  الالتحاق بالتعليم المدرسي  متاحا للسكان في كل المدن والبلدات وغالبية القرى ومناطق التجمع السكاني في الريف والبادية. كانت الاسر ترسل الابناء الذكور وبدرجة اقل الاناث الى المدارس القريبة لتعلم القراءة والكتابة  ولاختبار قدرة الابناء على التعلم والتكيف واكتساب المهارات الضرورية للقيام بالأدوار المستقبلية.
للكثير من الآباء والأمهات كان التعليم  الوسيلة الاهم والامل الوحيد لكسر طوق الفقر والخروج من دائرة العوز وتحقيق الاختراق الطبقي في مجتمع  ترتبط مكانات الافراد والاسر باسماء ومكانة عشائرهم وحجم الحيازات الزراعية اضافة الى مستوى التحصيل العلمي ورأس المال.
لذا وفي هذه الظروف كان الفقراء اكثر حرصا من الملاك والميسورين على ارسال ابنائهم للمدارس ودفعهم لاكمال مراحل التعليم، وكان للنجاح الذي يحققه الابناء في اجتياز الامتحانات والترفيع للصفوف الاعلى بهجة وقيمة يدركها الاهالي والطلبة والاقارب على حد سواء. الطلبة الذين ينهون الثانوية العامة قادرون على ان يأخذوا مواقعهم في الجهاز الحكومي والقوات المسلحة والتعليم. وحتى الذين لم يكملوا مراحل التعليم الثانوي يجدون فرصا متنوعة تتناسب مع عدد سنوات تعليمهم. القلة القليلة من الخريجين كانوا يذهبون الى الجامعات المصرية والسورية والعراقية واللبنانية في حين يجري إيفاد البعض الى  جامعات اجنبية في بعض الميادين والمجالات التي يحتاج لها المجتمع.
    الكثير من الذين شكلوا نواة الادارة والقوات المسلحة الاردنية تلقوا تعليمهم في المؤسسات التعليمية ومعاهد إعداد المعلمين والفنيين الزراعيين والكليات والمعاهد العسكرية الاردنية حيث اكسبتهم  رؤية ومهمة ومهارات مكنتهم من اداء ادوارهم بكفاءة وقدرة واقناع. قبل اسابيع  نظم احد قدامى الخريجين لمعهد خضوري الزراعي لقاء للاحياء من الافواج الاولى للخريجين وقد ضم اللقاء العديد من رؤساء الحكومات والوزراء والنواب والاعيان ممن شكلوا  نماذج مميزة في الادارة والقيادة والفهم الحقيقي لواقع ومشكلات مجتمعاتهم المحلية والوطن.
مثل هؤلاء الرجال يعرفون جيدا واقعنا الزراعي عبر نصف قرن ويزيد ويرون مشكلاته وميزاته وتحدياته. ومن وقت لآخر وعلى استحياء يتحدث بعض الساسة المخضرمين على انهم كانوا اساتذة في معهد معلمين في عمان او حوارة او غيره من الكليات والمعاهد دون ان  يلتفت وكلاء التحديث  ورموز التنوير الى اهمية الاسترشاد بخبرة وفكر وحكمة هؤلاء في تجاوز العقبات والمشكلات التي تواجه التطوير والتحديث في المناهج والاساليب والتقويم وغيرها من المعضلات التي قد تعترض مساعيهم.
اليوم وبالرغم من وجود جامعة او اكثر على الطرق المؤدية الى عمان وكل المدن الرئيسة وجلوس اكثر من ربع مليون طالب على مقاعدها وانتشار طلبة واساتذة اردنيين في معظم بلدان العالم المتقدم وحصول الآلاف من ابنائنا واساتذتنا على جوائز تفوّق دولية وعربية ومحلية، وبالرغم من نجاح خريجينا في نقل خبراتهم الى دول عربية وعالمية احرزت تقدما واضحا في الادارة والخدمة والاقتصاد، إلا اننا ما نزال نعاني من مشكلات عميقة في الادارة والتحديث والزراعة والتسويق والمواصلات والتعليم والخدمة الاجتماعية وادارة الموارد والمحسوبية والشللية والتناقض بين الخطاب والتطبيق والتراجع في  قيم العمل والانجاز يصعب تفسيره.
لا احد يستطيع ان يفسر لنا كيف نمنح سنويا مئات الدروع والاوسمة وشهادات التميز الاداري ونحن لا نتقدم كثيرا على الارض؛ فالمديونية في تزايد والخدمات في تراجع والمؤسسات تفقد قدرتها على تقديم الخدمة التي تعد بها والأتمتة وسرعة الانجاز كلام تجده في بيانات وتصريحات ومحاضرات المسؤولين، ففي الوقت الذي تعمل فيه المجتمعات على تنمية ثرواتها وعائداتها على الخزينة  فقدنا الكثير من مقدراتنا الوطنية وأتينا بمن يعمل على ادارة مواردنا ومرافقنا دون اي مساءلة او تدقيق؛ لماذا تدهورت الفوسفات؟ لماذا تتغير ادارات الخطوط الملكية بهذه السرعة؟ وهل من حكمة في تعيين من يعينون لإدارتها؟ ولماذا ما يزال الباص السريع غائبا؟ ومتى تنتهي أبراج السابع؟ في النهاية لا تفسير لما يحدث إلا القول بأن" مغنية الحي لا تطرب".

التعليق