عيسى الشعيبي

خمسون حزيران والحبل على الجرار

تم نشره في الاثنين 5 حزيران / يونيو 2017. 11:03 مـساءً


كثيرا ما ينتاب المرء شعور غامض بعدم جدوى الكلمة وعبثية القول، اذا كان الموقف جللاً، وكانت الامور قد بلغت حداً يتجاوز المعالجات النظرية والشروحات الاضافية، وباتت الكتابة، حتى لدى المشتغلين بها، مجرد لازمة لا لزوم لها، فما بالك عندما يتعلق الامر بواقعة كبرى مر عليها خمسون عاماً بالتمام والكمال، ونعني بذلك تلك الهزيمة التي لحقت بنا جميعاً في ذلك النهار الاسود من حزيران العام 1967، يوم افاق العرب على وضع كارثي لم يدر في خلد أي منهم من قبل، ولم يلامس اذهانهم في اشد الكوابيس وطأة على الصدور.
والحق، انني قد رغبت في تناسي هذه الذكرى المؤلمة، التي عشت بعض فصولها شاباً يافعاً آنذاك، والعبور عنها الى اي مسألة اخرى من المسائل المدرجة على جدول الاهتمامات العامة، وهي اكثر من الهم على القلب، غير انني لم اجد فكاكاً من هذه المناسبة وهي تدخل عامها الخمسين، الامر الذي جعلني اقدم على معاقرة كأسها الطافح بالألم، تحت الحاح شدني دون ان ادري الى التحليق في سمائها الكالحة، والخوض في مياهها الآسنة رغماً عني، ولسان حالي يقول؛ عليك ان تخط سطراً ودع الايام تمحوه.
 ولعل السؤال الذي ظل يطاردني طوال الوقت؛ اي نفع في استعادة يوم الخامس من حزيران، وقد شربنا علقمه على مدى نصف قرن طافحا بالمرارة والهوان، ناهيك عن التراجع الى الخلف، لا سيما وان هذه الواقعة التي غيرت وجه الشرق الاوسط الى غير رجعة تبدو وكأنها قد حدثت في زمن سحيق لم يبق من شهوده الاحياء كثيرون ممن لديهم القدرة بعد على الادلاء بدلوهم عن وقع ذلك الصباح الكئيب عليهم، يوم تحطمت الطائرات على مدارجها، وتحطم معها الحلم بتحرير فلسطين!
    كنت واحداً من ذلك الجيل الذي تجرع حنظل كأس الخامس من حزيران قطرة بعد قطرة، ورفض التسليم بنتائجها او الاذعان لمنطقها والتعايش معها كحقيقة منتهية، فأطلق ذلك الجيل في حينه انبل ظاهرة عربية في زمن ما عرف باسم النكسة، وحقق بمقاومته، بعد سنوات قليلة، ما يشبه المعجزة، حين استرد وعيه بنفسه، واعاد جلاء عناصر هويته، وأملى بعد لأي شديد حضوره السياسي كجزء من المعادلة التي ظلت مختلة، ذلك الخلل الذي ادى الى عدم القدرة على تحريك الاحتلال عن شبر واحد بالقوة.
وقد يغيب عن اذهان الكثيرين اننا تعرضنا في غضون الخمسين سنة الماضية الى ما هو اشد هولاً من "النكسة" وادهى من الاحتلال ذاته، ونعني به سرطان الاستيطان المتواصل على قدم وساق في الاراضي المحتلة، وان كل المواجهات والحروب الصغيرة والجزئية، ناهيك عن المساعي الدبلوماسية وقرارات الامم المتحدة، لم تفلح في تصغير رقعة الاحتلال، او كبح جماح الاستيطان الذي يسابق نفسه بنفسه، الامر الذي يثقل على النفس اكثر فأكثر كلما اقترب المرء من تذكر يوم تلك الهزيمة المنكرة.
واكثر من ذلك، فإنه كلما جاء شهر حزيران بكدره وقهره، وضع العربي يده على قلبه، خشية ان تكرر اسرائيل جنونها الحربي في هذا الشهر الذي يبدو وكأنه شهرها المفضل لشن الاعتداءات وخوض المعارك الحربية الناجزة، فقد قامت الدولة العبرية يوم السادس من حزيران العام 1982 بغزو لبنان واخراج قوات منظمة التحرير منه بعد معارك ملحمية استمرت 88 يوماً، وفي يوم السابع من حزيران العام 1981 كانت اسرائيل قد شنت عدوانها على العراق، ودمرت المفاعل النووي بضربة جوية واحدة.
منذ الخامس من حزيران، وهو اليوم الاشهر في التقويم السياسي العربي الحديث، مرت مياه كثيرة في فلسطين المحتلة وفي غيرها من البلدان العربية، لا يتسع المقام للمرور عليها او حتى التذكير بعناوينها العريضة، واحسب انه مرت كذلك دروس وعبر اكثر، لم نستفد منها ونحن ندير ما صغر من ازماتنا وما كبر منها، الامر الذي تبدو فيه هزيمة ذلك النهار، بالنسبة لغير الفلسطينيين، مجرد واقعة صغرى، اذا قيست نتائجها القاسية بما هو اشد واقسى مما حدث بعدها، ونعني بذلك خروج مصر من معادلة الصراع مع اسرائيل، وتفتيت العراق، وتدمير سورية.

التعليق