الابتكار الحكومي: ما هي أبرز التوجهات العالمية؟

تم نشره في الاثنين 5 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً
  • باميلا كسرواني - متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

باميلا كسرواني

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

نستطيع أن نختصر الابتكار الحكومي على أنه إيجاد طرق جديدة للتأثير على حياة السكان ومنهجيات جديدة تفعّل دورهم كشركاء في رسم معالم المستقبل بفضل تجاوز الهياكل والنماذج التقليدية للتفكير.
ويتجلّى الابتكار الحكومي في عددٍ من المنهجيات الجديدة لتقديم قيمة أفضل للأفراد والمجتمع، فتغيير طريقة عمل الحكومة يحقق نتائج أفضل على صعيد استخدام الموارد العامة، وبناء مجتمعات ذات مستويات انفتاح وثقة أكبر، إضافة إلى تعزيز الممارسات التي تحقق العدالة ووترتقي بخدمات رعاية المواطنين.
على الرغم من الفوائد المؤكدة للابتكار إلا أن تبنّيه عملية صعبة ومعقدة. وفي محاولة لفهم هذه التحديات وتحديد الفرص المتاحة أمام الحكومات، تعاون "مرصد الابتكار في القطاع العام" التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يعمل، منذ 2014، على تحديد المسائل الرئيسية المتعلقة بالابتكار الحكومي والأمور التي يجب القيام بها، مع حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة ومركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي في إطار برنامج الحوكمة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بهدف نشر دراسة عالمية حول الطرق الجديدة التي تستخدمها الحكومات لتحسين حياة شعوبها؛ دراسة بعنوان "تبني الابتكار في الحكومة: التوجهات الحكومية" والتي نُشرت في فبراير الماضي علّه يكون ورقة عمل لحكومات العالم.
وحددت الدراسة أربعة عوامل أساسية متداخلة يمكنها أن تفتح باب الابتكار ألا وهي: التغلب على الحواجز الاقتصادية، الاستفادة من أفكار المواطنين والأشخاص الذين يطرحونها، بناء علاقات مفتوحة وشفافة وقائمة على الثقة مع المواطنين، تمكين ثقافة تدعم الابتكار.
كما وجدت الدراسة أن هناك ستة توجهات رئيسية في مجال الابتكار قامت بمناقشتها والتفكير بالتحديات المرافقة لها وبعوامِل نجاحها. ما هي إذاً هذه التوجهات التي لا بد لأي حكومة أخذها بعين الاعتبار في حال أرادت أن تتبنى نهجاً مبتكراً في العمل؟
تحقيق التوازن بين الإنسان والآلة، تحليلات البيانات الضخمة، الطائرات من دون طيار، الشبكات الاجتماعية، الخوارزميات التنبؤية للتعلم الآلي، هذه بعض من التكنولوجيات التي تستخدمها الحكومات من أجل مراقبة البيئة المادية والشواغل اليومية للمواطنين بشكل أفضل؛ كلها أدوات تحتاج إلى أفراد يتمتعون بالخبرة لاستخدامها وتفسير نتائجها.
فعلى سبيل المثال، أطلقت الإمارات تطبيقاً مجانياً باسم "إكستريم ويذر" يُنذر السكان والحكومة حول الظروف المناخية الحالية والمستقبلية الطارئة. ويعتبر التطبيق أحد أوائل التطبيقات التي تختص بالكشف عن العواصف الرملية وتنبؤها والتي تشكل تحدياً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط.
هذا ليس إلا مثالاً صغيراً عن الأنظمة المبتكرة التي تستخدمها الحكومات للإنذار المبكر وعن النمو المتزايد لاستخدام البيانات والدمج بين المعرفة الإنسانية والأدوات المبتكرة.
المواطن الخبير
هنا لا بد من إعادة رسم العلاقة بين المواطن والحكومة من أجل إعداد حكومات أكثر شمولية وشفافية ومسؤولية. وينعكس ذلك مع الحكومات المبتكرة التي تحسن مشاركة المواطنين وتضمن انخراطهم في مختلف مراحل الدورة السياسية: من رسم الأفكار وصولاً إلى تصميم الخدمات العامة وتقديمها ومراقبتها.
وتسعى الحكومة المبتكرة إلى اعتماد منهجيات مختلفة لإشراك المواطنين في تعزيز الابتكار، وتعيد تحديد من تعتبرهم خبراء ليكونوا شركاء في تصميم السياسات والخدمات. كما تُطلق المبادرات التي يكون فيها المواطن شريكاً رئيسياً.
وما قد يجعل من المواطنين خبراء هو الالتزام والقيادة على أعلى المستويات، وتحديد معايير وعمليات محددة لاتباعها مثل جداول زمنية واضحة، إشعارات مسبقة، آليات توعية، زيادة الفرص؛ مما يساعد في تعزيز الثقة بنزاهة ومصداقية هذه العملية.
توسيع نطاق العمل الحكومي
لعلّ أصعب ما تواجهه الحكومات هو تحديد نطاقها. وفي ما يتعلق بالابتكار، فهذا يعني الانتقال من ابتكارات صغيرة أولية إلى مبادرات حكومية كبرى. ويصبح هذا الأمر ممكناً بفضل مختبرات الابتكار الحكومية والحاضنات التي تظهر كوسيلة جديدة لصياغة أساليب وعمليات جديدة للنسيج الحكومي. لا تختلف هذه المنهجية عن تلك المعتمدة في حاضنات الأعمال الخاصة بشركات التكنولوجيا الناشئة التي أثبتت نجاحها في القطاع الخاص.
وبحسب استبيان أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن القليل من الدول تلجأ إلى هذا النوع من المختبرات.
هذا التوجه يعاني من تحديات جمّة إلا أن نجاحه يعتمد على حرية التجربة التي تزيد من القدرة على تطبيق الدروس والسعي نحو الابتكارات والشراكات القوية مع أولئك الذين يملكون الخبرة المتخصصة والعلاقات المبنية على الثقة مع الشركاء. وترى المنظمة أن تزويد المعلومات هو أحد أطراف التفاعل إضافة إلى الاستشارة (مثل استطلاعات الرأي، والتعليقات على المشاريع والقوانين).
 كسر الأعراف السائدة
يجب ألا ننسى أن الأفراد يُشكلون جوهر ابتكارات القطاع العام، سواء كانت خدمات رقمية جديدة أو منهجية للرعاية الصحية الوقائية أو برامج لمعالجة التشرد. وهنا، لا بد من التركيز على مكوّنين أساسيين هما الناس والمال. فإذا كانت القوى العاملة تمثل فكر الابتكار، فإن آليات التمويل توفر شريان الحياة.
بالتالي، لا بد من بناء قوى عاملة من المبدعين في القطاع العام والتركيز على المهارات لتمكين موظفي الحكومة من التحول إلى مبتكرين وكسر حاجز العزلة بين مختلف القطاعات، ومواءمة المال مع الأفكار بفضل صناديق الابتكار والتمويل المبكر.
الحكومة التجريبية
قد تكون هذه النقطة الأهم لأن أي حكومة يجب أن تُدرك أن عملية الابتكار هي التعامل مع المجهول وأن التجارب قد لا تنجح بالطرق المتوقعة أحياناً وأن العديد من الجهود المركزة على الابتكار قد يكون مصيرها الفشل.
إلا أن هذه التجارب المتكررة لا يجب أن تُثني الحكومات من تجربة فرص جديدة مع الأخذ بعين الاعتبار المخاطر وتطوير استراتيجيات لإدارتها. ولا شك في أن قدرات الحكم القوية تمكّن التجارب الناجحة إضافة إلى بيئات اختبارية معزولة للمساعدة في التجارب وتوجيهات القيادة تُرشد الثقافة والعمل مع الجمهور العام.
جيل جديد من الخدمات
تتطور التكنولوجيا وتتغيّر بوتيرة سريعة جداً ولا بد للحكومات من إعادة اختراع عملياتها لمواكبة هذه الوتيرة. وقد أدركت الحكومات المبتكرة أن خدماتها التقليدية مجزأة ومفككة فبدأت بتغيير طريقة عملها من أجل توفير خدمات أكثر شمولية.
هذا الجيل الجديد من الخدمات ينعكس مثلاً عبر الحكومة الرقمية التي تجعل من التقنيات الرقمية جزءاً متكاملاً من استراتيجيات تحديثها. ولا بد لهذه الحكومة من أن تأخذ بعين الاعتبار العديد من العوامل مثل فهم احتياجات الناس، اختيار تكنولوجيا حديثة، خدمات بسيطة وبديهية… بفعالية ونجاح أكبر.
ورأت الدراسة أن أبرز العوامل المساهمة هي التأكيد على أن الحكومة تخدم الشعب أولاً وتتبنّى دور الميسّر وتوفّر الطرق اللازمة للتغلب على العقبات البيروقراطية.
هذه هي إذاً التوجهات الستة التي لا بد لأي حكومة تريد اللحاق بركب الابتكار أخذها بعين الاعتبار لاسيما أنها تفسح المجال لإيجاد سبل جديدة للتأثير على حياة المواطنين اليومية.
قد لا تكون المهمة سهلة وقد تختلف من بلد إلى آخر بحسب تركيبته وسياساته إلا أن الأهم يبقى التغلب على تحديات أساسية، أبرزها: العزوف عن المخاطرة والخوف من الفشل.

التعليق