د.أحمد جميل عزم

القطب الإقليمي وتراجع القوة الناعمة

تم نشره في الأربعاء 7 حزيران / يونيو 2017. 12:06 صباحاً

توفر الأزمة القطرية الخليجية الحالية فرصة لفهم تحولات السياسة الخارجية والإقليمية والدولية الراهنة، وأهم سمتين يجدر التوقف عندهما تخلي دول الخليج العربية عن فكرة القوة الناعمة، وتكرّس ما يسمى النظام الإقليمي الفرعي، بقيادة سعودية. والواقع أنّ التخلي عن القوة الناعمة ربما لا يكون متغيرا خليجيا وحسب، بل دوليا أيضاً، تماماً كما أن موضوع نشوء أنظمة دولية فرعية، دون نظام دولي عام تقليدي، هي سمة للمرحلة التاريخية الراهنة.
  يخطئ كثيرون بالاعتقاد أن القوة الناعمة هي أي قوة سوى العسكرية، فالاقتصاد وحتى كثير من النشاطات الإعلامية والثقافية والفكرية لا تصنف في إطار القوة الناعمة. والقوة الناعمة كمصطلح طوره عالم العلاقات الدولية جوزيف ناي، وبات متداولا، في السنوات الأخيرة، يشير حصراً لكيفية تقديم الدولة لنفسها، وكيف تؤثر صورتها على سياسات باقي الدول والشعوب. وبهذا المعنى عندما تنظم الولايات المتحدة الأميركية، أو أي دولة، ندوة مثلا عن الحركات الإسلامية، فهذا ليس قوة ناعمة، وعندما تقدم مساعدات لجمعية لحقوق الإنسان، هذا لا يعد بالضرورة قوة ناعمة. فالقوة الناعمة هي كيف تقدم نفسك للآخر. ومن هنا فإن إعطاء طلاب منحة أميركية قد يكون هدفه تقديم الولايات المتحدة لهم بصورة معينة، وهذه قوة ناعمة، والحديث عن الاقتصاد الاميركي، ونمط الحياة الأميركية، وتقديمها إيجابيا في السينما، يمكن أن يكون جزءا من القوة الناعمة. وخليجياً كان هناك نوع من العمل على هذه الصور. فمثلا انتقال العباءة النسائية الخليجية لباقي الدول، وتبني أفكار سياسية ودينية معينة لم يكن بعيداً عن قوة ناعمة خليجية. فمثلا المسلسلات التاريخية، عن شخصيات مثل ابن تيمية في الثمانينيات، ودعم اتجاهات سلفية معينة، والحديث المستمر عن نهضة البنية التحتية، والنجاحات الاقتصادية، والتنافس على أطول برج، وأكبر مول (مجمع تجاري)، وعلى تأسيس جامعات عالمية والصعود في التصنيفات العالمية، وعلى أفضل قناة فضائية، أقوى صحيفة، هي في جزء كبير منها قوة ناعمة، تهدف لتقديم الذات بأفضل طريقة، واحيانا بشكل تنافسي. ومن هنا فانتشار أفكار دينية، وعادات اجتماعية، وملابس، وحتى أطباق طعام، كان تجسيداً لنوع من القوة الناعمة الخليجية. وفي الولايات المتحدة، تأسس في عهد جورج بوش الابن، دوائر متخصصة في الدبلوماسية والشعبية والقوة الناعمة، عقب العثرات التي تعرض لها الأميركيون في العراق، وكان جزءا من الهدف هو هزيمة الإرهاب بتحسين صورة الولايات المتحدة.
كان النظام الإقليمي العربي والدولي يسمحان للخليج بالتركيز على هذه القوة الناعمة، دون أن يعني هذا عدم استخدام أنواع أخرى من القوة، مثل الهجوم الإعلامي والفكري على الخصوم. وكان هناك اعتماد كبير على دور الولايات المتحدة الأمني في هذه الدول. ولكن هذا تغير بسبب الثورات التي حدثت في بلدان عربية. فما حصل حمل احتمالية انتشار التغيير، ولم تقم الولايات المتحدة بدور لمنع التغيير، وهذا دفع الدول الخليجية لإعادة تحديد أدوارها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، لسياسة تركّز على ما على الآخرين فعله، وليس انتظار أن يتأثروا بالآلة الخليجية الإعلامية والثقافية، وانتظار تصديرها إليهم. وقبل الخليج، كانت سياسة دونالد ترامب تبتعد، بشكل أكبر، عن مسألة الحرص على الصورة الأميركية لصالح فرض ما تريد عسكريا، واقتصاديا، ودبلوماسيا.
في الوقت ذاته، نوّه رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، منذ نحو عشر سنوات، إلى أنّ الولايات المتحدة لا تستطيع أن تلعب دور القطب الأوحد في العالم، ومن أسباب ذلك، أنه في كل منطقة في العالم، وبعد سقوط الثنائية القطبية، صار هناك دول إقليمية عظمى. لا تسير الأمور في المنطقة دون موافقتها وتعاونها. من مثل فنزويلا والبرازيل في أميركا اللاتينية، والصين في محيطها الإقليمي،  والسعودية وإيران في الشرق الأوسط. وكانت تبدو السعودية مستنكفة عن هذا الدور بعكس إيران، أما الآن، فيبدو أننا نتجه لفكرة الدولة الإقليمية العظمى، متمثلة بالسعودية، حيث هناك دول حليفة قوية مثل الإمارات ومصر، وباقي الدول متعاونة، ولا يُقبَل أن يكون هناك لاعبون لخلخلة هذا النظام.
من هنا فإنّ عصر القوة الناعمة يبدو متراجعاً وفكرة النظام الإقليمي شبه الأحادي الأقطاب (السعودي) تتقدم.  

التعليق