الثقافة البيئية: هل هي من أبواب العلم أم الثقافة؟

تم نشره في الثلاثاء 6 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

د. أيّوب أبو ديّة

ليس من المتعارف عليه اعتبار الحديث عن البيئة ضمن مجال الثقافة التي اقتصرناها على الأدب والشعر والفن والفلسفة والسياسة في أغلب الأحيان. وفي عصرنا هذا غدونا نحرق الأشجار عمداً ونقتلعها اقتلاعاً بلا شفقة ونلقي بالنفايات من نوافذ المركبات ونستهلك وقوداً رديء النوعية وبإفراط، .. في ضوء ذلك كله هل من المشروع وسم أنفسنا بأننا مثقفون أو أدباء أو فنانون بينما أحوال بيئتنا في أسوأ أوضاعها؟
تبادر عنوان هذه المقالة إلى ذهني في سياق فوز كتابي "سقوط الحجاب عن الطاقة النووية" بجائزة جامعة فيلادلفيا لأحسن مؤلف علمي هندسي للعام 2016، وشعرت أن الوقت حان كي أعلن أن الثقافة البيئية لا بد أن تصبح جزءاً من الثقافة العامة، لا أن تترك في خانة العلم فقط، لأن القضايا المرتبطة بالطاقة والتلوث والتغير المناخي هي ظواهر ثقافية إلى جانب كونها قضايا علمية، حيث أن التثقف بها أصبح ضرورة ملحة فلم يعد أمامنا وقت طويل لتبديل مسار الأرض المحتوم بالدمار، وبات ضرورياً خفض الغازات التي يطلقها البشر والتي من شأنها أن ترفع درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض حسب التقديرات العالمية إلى نحو ربما يؤدي إلى توقف الحياة على سطحها نهائياً في نهاية هذا القرن.
إذاً، فإن مسألة التثقيف البيئي للجميع والكشف عن أدوات دمار البيئة أصبحت مسألة حياة أو موت وينبغي أن تنخرط في إطارها الثقافوي كي تصبح ثقافة عامة للتسلح بها في معركتنا لصراع البقاء على هذا الكوكب، لأن جهلنا بها سوف يمحو مظاهر الحياة الأخرى من أدب وفن وشعر وقصة.. أي أن جهلنا بها سوف يمحو إرث البشرية الثقافي كله، فمن أين يبدأ الوعي البيئي الذي نطالب به؟
يبدأ الوعي البيئي من وعي الذات أولاً، وذلك وفقاً للضرورة المنطقية، لأن وعي الذات يستدعي الإدراك بأننا ذوات مفكرة ومرتبطة بعوامل تأثير داخلية وخارجية، أي بناءَات تاريخية وسيكولوجية ونفسية، بالإضافة إلى العوامل الخارجية وهي تأثيرات المحيط. إذاً، نبدأ بوعي الذات أولاَ بوصفنا ذوات حرة تستطيع التفكير والتأقلم والتطور وفقاً للمتغيرات، ومن ثم ننتقل إلى مرحلة وعي الآخر؛ وهنا نقصد بوعي الآخر، وفي مرحلة أولى: وعي البيئة الاجتماعية المحيطة بنا من حيث إننا نعيش في مجتمع وتربطنا علاقات معقدة بهذا المجتمع سواء مع بنيته الفوقية كالدين والسياسة والثقافة أو مع بناه التحتية كالاقتصاد والاجتماع وما إلى ذلك. ومن وعينا بذواتنا ننطلق إلى وعينا بالآخر في بيئته الاجتماعية (وهذا ما يطلق عليه الفيلسوف مارتن بوبر أنا والآخر). وهكذا يمكننا أن نصل إلى مرحلة ثالثة وهي وعينا بالبيئة الطبيعية؛ أي ما يحيط بنا من عناصر البيئة المختلفة، كالماء والهواء والتربة والعناصر الحية وغير الحية في الطبيعة بالإضافة إلى البيئة الاصطناعية المبنية التي أضافها الإنسان إلى هذا العالم، كالأبنية والمشروعات والسدود وما إلى ذلك؛ ومن ثم ربطها بالبيئة الاقتصادية من حيث علاقات الإنتاج وطبيعتها التي تحكمها قوانين العرض والطلب وأثرها في تحديد مواقف الإنسان الأخلاقية والقيمية من قراراته المتعلقة بالبيئة من حوله.
 وبعد التمتع بهذا التطور في مراتب الوعي البيئي، من وعي الذات إلى الوعي بالبيئة المعقدة من حولها، يمكن أن يتطور الوعي البيئي إلى الوعي بالبيئة النفسية والجمالية والشروط الأخلاقية التي تضع المعايير القيمية لأي عمل بيئي مقترح من حيث هو عمل جيد أو سيئ، مقبول أو غير مقبول. فالوعي بالبيئة الجمالية مهم جداً للإنسان من حيث إنها تضفي راحة نفسية اعتاد عليها الإنسان تاريخياً في معرض تطوره التاريخي، من حيث الألوان الجميلة في الطبيعة كلون زرقة السماء والمحيطات أو لون التراب الطيني أو لون الصحاري الصفراء أو لون الأشجار الخضراء؛ هذه الألوان مقربة إلى طبيعة الإنسان ونفسيته وبالتالي تعكس راحة نفسية ضمن تركيبته العاطفية.
هذه كلها معايير تسهم في صياغة الوعي البيئي واتخاذ القرارات البيئية الواعية التي يتخذها الإنسان، ولكن الأمور تزداد تعقيداً عندما نبدأ بتقييم أعمالنا البيئية على الصعيد الأخلاقي، فما هي المرجعية لأي عمل بيئي؟ وهل يمكننا تقييم التصرف البيئي وفقاً لمعايير حب الذات والمصلحة الذاتية أم إثار الأخر على الذات أم بإثيار مصلحة الأكثرية على مصلحة الأقلية؟ فهذه كلها نظريات بيئية تتصارع، بمعنى أنها تتساءل إلى أي حد يمكن للإنسان أن يذهب في التضحية بما هو خاص وذاتي لمصلحة ما هو عام وموضوعي؟ بل هناك تيارات في فلسفة البيئة تدعو إلى ارتقاء الإنسان إلى مسار حب الطبيعة الحية بمقدار لا يقل أهمية عن حب الذات، بل حب الإنسانية والكائنات الحية كلها، بمعنى أن القيمة الحقيقية للبيئة هي في مجمل عناصرها الحية ولا تتمحور حول الإنسان فقط بوصفه خليفة أو مستخلف عليها يحق له أن يفعل بها ما يشاء. بل ظهرت في الفترة الأخيرة تيارات تنادي بالنظرية المتمركزة حول الإيكولوجيا
 Eco-centrism وليس فقط بالنظرة المتمركزة حول العناصر الحية في الطبيعة Bio-centrism، وهذا الاتجاه يدعو إلى النظر إلى كل عناصر الطبيعة، الحية منها والمواد غير الحية، بوصفها مهمة للحياة ومرتبطة ارتباطاً عضوياً ببعضها البعض وأنه لا يجوز التضحية بأحدها لمصلحة الأخر. وبناء عليه فإننا نقول أن الوعي البيئي هو وعي متكامل مرتبط بكافة العناصر التي تشكل النسيج الاجتماعي والسياسي والحضاري لأي ثقافة كانت.
 كان الحديث عن الطاقة أو المياه أو التغير المناخي في الماضي مجرد معلومات علمية متخصصة لا شأن لها بالثقافة، وكانت صفحات الثقافة في بلادنا تخلو من هكذا موضوعات باعتبارها موضوعات علمية خالصة، فإذا تحدثنا عنها نكون في مرحلة شعبنة العلم (أي أن نقدمه للشعب بشكل مبسط)، ولكن منذ أن تعمقت ظاهرة الاحتباس الحراري وبدأ التغير المناخي يداهم البلدان كلها ويهدد بإغراق جزر بأكملها ومساحات شاسعة من شواطئ الكثير من البلدان في العالم بفعل ذوبان الثلوج في القطبين، فقد أصبحت ضرورة لازمة على الدول أن تثقف شعوبها وتمحو أميتها البيئية كي تصبح قادرة منذ نعومة أظفارها على رضاعة المفاهيم البيئية لتصبح جزءا من كيانها وشخصيتها وتفكيرها بحيث تلازمها عندما تنمو وتنضج. فمحو الأمية البيئية ضرورة اجتماعية واقتصادية للبقاء لأنه من دونها سوف يزداد التلوث وتنتشر الأمراض وتشح المياه الحلوة وتتلوث المياه الجوفية ويزداد هوائنا تلوثاً بمرور الوقت.
أما على الصعيد السياسي، فإن الثقافة البيئية الراقية من شأنها أن تجعل الناس يختارون النائب المناسب في البرلمان وأن يختاروا الحزب الأفضل والأكثر قدرة على الدفاع عن البيئة والمحافظة عليها. أما على الصعيد الجمالي فإن الحفاظ على جمال البيئة سوف يزيد من راحة الإنسان النفسية ويحسن من أدائه الوظيفي، أما على الصعيد الاجتماعي فإن الثقافة البيئية من شأنها أن تحسن من علاقات الناس مع بعضهم البعض وتقلل من التوتر الزائد الذي نلحظه اليوم في الشوارع وفي الجامعات.
إذاً، وبناءً على ما سلف، فإن الثقافة البيئية هي في صلب الثقافة العامة، بل هي أساس لها وقاعدة ترتكز عليها. فإذا قمنا بتربية أبنائنا في بيئة ملوثة (على الصعيد التعليمي وفي الشارع المعيش) فهل يعقل أن تولد مخرجات نظيفة؟ إذ أن عامل البيئة والوسط هائل في تأثيره على الإنسان، وقد لاحظ ذلك ابن خلدون فيما مضى، فيما نحن اليوم لم نستطع أن نلحظه بعد! لذلك ينبغي أن ندخله في مناهجنا التعليمية وفي حياتنا العامة على جميع الأصعدة. أليست الثقافة البيئية بأهمية الثقافة العسكرية واللغات ومحو أمية الحاسوب بالنسبة للطالب الجامعي أيضاً؟ ألا ينبغي أن تكون الثقافة البيئية من المواد الإجبارية التي تـُدرَّس أسوة بالثقافة العسكرية والوطنية؟

التعليق