ما الذي دهى العالم!

تم نشره في الخميس 8 حزيران / يونيو 2017. 11:06 مـساءً


العالم اليوم يعج بالمشاكل والتعقيدات. بعض ما يحدث له اسبابه الموضوعية، لكن الكثير مما يجري يستعصي على الفهم. العديد من الاخطار والتهديدات التي اقلقت وتقلق البشرية غيرت نظرة العالم لنفسه وللآخر واثرت على العلاقات الدولية،  وصورة الاسلام والعرب الجديدة يجري انتاجها على ايدي جماعات وكيانات وشركاء غامضين لا نعرفهم بالرغم من أننا ندفع جميعا ثمن جرائمهم وافعالهم.
الكثير من المشكلات التي تواجه عالمنا العربي والاسلامي عائدة للفقر والحرمان والظلم والفساد وغياب التنمية وحرمان الشعوب من الاستمتاع بحقها في المشاركة والتعبير، والتناقض الواضح بين الاقوال والافعال، وغياب اسس الديمقراطية والعدالة والالتزام بحقوق الانسان بالرغم من إسرافنا في الحديث عنها باعتبارها قيما اخلاقية وحضارية ودينية.
الفوضى والتغير لا يقتصران على منطقتنا، فالرئيس الاميركي دونالد ترامب اصبح يغرد عبر تويتر اكثر مما يصرح للصحافة، ويقول اشياء كثيرة متناقضة يصعب الاستدلال من خلالها على اتجاه او ثوابت لسياسات بلاده. ورئيسة الوزراء البريطانية تقول إنها قد تمزق كل وثائق حقوق الانسان. وروسيا تبني باقة من التحالفات مع دول الشرق والغرب ولا تتردد في ان تستخدم قواتها الجوية لضرب اهداف مدنية في سورية والتصدي للدفاع عن نظام اباد وشرد الملايين دون الاستناد الى اي منظومة قيمية او اخلاقية تبرر مواقفها وافعالها.
تركيا التي حققت نجاحات اقتصادية وسياسية، تتجه اليوم الى توسيع صلاحيات الرئيس وإحياء فكرة وامجاد الامبراطورية العثمانية. الولايات المتحدة التي عملت طويلا على صياغة فكرة العولمة الامنية وربطت  بين الارهاب والمسلمين، ترى اليوم في بعض الدول الإسلامية شركاء في الحرب على الارهاب.
 في العالم اليوم فوضى وضبابية غير مسبوقة، حيث يصعب على اي منا ان يدرك أين تقف دول العالم من القيم والمبادئ الاساسية التي تفاوضت عليها البشرية وباشرت تطبيقها في اعقاب الحرب العالمية الثانية؛ الديمقراطية والحريات والمساواة وحق تقرير المصير.
لفترة طويلة كنا نظن ان المجتمعات الديمقراطية مستقلة ولا مساحة لتدخل الغير في شؤونها او فرض املاءات عليها. في الديمقراطيات الحقيقية الشعب مصدر السلطات وهو الذي  يختار ويملك القرار ويدفع الضرائب ويرسم السياسات من خلال المجالس المنتخبة والاحزاب التي يجري التصويت على برامجها دوريا. الاحزاب التي تخوض الانتخابات وتحصل على تأييد الجماهير تعطى الحق في ادارة شؤون البلاد  لفترة محددة تنص عليها الدساتير يعملون خلالها على تنفيذ السياسات والبرامج التي سبق ان تم عرضها على الناخبين ونالت تأييدهم ورضاهم. الديمقراطيات الغربية تحمي نفسها من خلال  حجم الحريات والفصل بين السلطات  ومهنية الاعلام ومستوى الشفافية ووضوح المصالح الوطنية وارتباط العلاقات الخارجية بالمصالح العامة للدولة.
خلال العام 2016، اشتد الجدل في بريطانيا حول ما اذا كان من الحكمة ان تستمر بريطانيا في عضوية الاتحاد الاوروبي، وفيما اذا كان التزام بلد بحجم انجلترا وتاريخها وعراقتها ونفوذها بالتوافقات التي يجمع عليها الاعضاء يقلل من شأنها ونفوذها وحريتها وتأثيرها  في العالم. بعض الساسة الانجليز عبروا عن معارضتهم للانفصال في حين رأى البعض الآخر ان مصلحة البلاد في الانسحاب من الاتحاد الاوروبي واستقلال القرار السياسي والاقتصادي والامني عن  القرار الاوروبي. ولحسم هذا الجدل اخذ الساسة الانجليز فكرة الانفصال الى الناخب الانجليزي،  وطرحت  قضية الانفصال في استفتاء شعبي، وصوت غالبية الشعب لصالح الانفصال ونجح الاقتراح فاستقالت الحكومة وباشرت اللجان المعنية التحضير لاجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد.
في بريطانيا وسائر مجتمعات الاتحاد الاوروبي عبر الجميع عن مواقفهم تجاه ما جرى، فقد رحب البعض بالقرار وانتقد البعض الاخر ما جرى دون التشكيك او المقاطعة او الغضب، فالانفصال او البقاء شأن من الشؤون التي تعني الانجليز وحدهم ولا احد غيرهم. وفي بريطانيا تتبدل الحكومات والاحزاب بتبدل الرأي العام.
التغيرات التي تجتاح العالم والاقليم غير مسبوقة في نوعيتها وحجمها وتعقيداتها. فالتحالفات الجديدة غريبة في اسسها واهدافها ومواقف اعضائها ونظرتهم للعالم والانسان والدين والديمقراطية. والخريطة الجديدة للحلفاء والاصدقاء تشي باختفاء بعض القضايا والاهداف التي تثير العديد من الاسئلة والشكوك.

التعليق