موقف من التنوير

تم نشره في الخميس 8 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

تبدو فكرة التنوير فكرة غائمة إلى حدّ كبير، لما يحيط بها من التباس ذهني، يحوّلها في كثيرٍ من الأحيان إلى فكرة ظلامية، أو تشتغل ضدّ نفسها من حيث لا تدري، لا سيما إذا ما تعارضت مع تطلّعات ومُسلّمات المُتنوّر أو مَنْ يُطلق على نفسه صفة أو لقب المُتنوّر، أو يجعل من ذاته –إذا ما أرادَ حضوراً أعمق في الاجتماع الإنساني- ذاتاً مُتنوّرة.
وعليه، فثمة بُعد ظلامي لفكرة التنوير، أمكنني تجلّيته من خلال التأشير على سياقين، سيكون الكشف عنهما بمثابة تعريف أو مساهمة في تعريف التنوير، والكشف عن بعض من ملابساته المفاهيمية:
الأول ذاتي مُتعلق بطبيعة القضايا المطروحة للنقاش والانتقال بها من طور الحَجْر على العقول إلى طور التعامل الأريحي معها، فكثير من القضايا تأخذ طابعاً (كُلانيّاً) غير قابل للتجزئة، لذا يصبح الاقتراب منها محفوفاً بالمخاطر، لما تنطوي عليه سياقاتها الداخلية والخارجية من حمولة قُدسية كبيرة، حتى وإن كانت ذات بُعد دنيوي، وبعيدة كل البُعد عن أي ارتباطات دينية أو غيبية. فقضايا مثل الدين بما يشتمل عليه من نصوص تأسيسية وما حفّ بها من تفاسير وتأويلات ورؤى وممارسات؛ والسياسة والخلفيات الآيديولوجية المُؤسِّسة لها، والنزعات القَبلَية والوطنية والقومية والطائفية، وغيرها الكثير من القضايا التي تأخذ طابعاً (كُلانيّاً)، أي أن تكون مُنطلقاتها المبدئية مُنطلقات كُلّية غير قابلة للتفتيت أو لا يمكن إعمال الشرط النقدي في بنتيها الداخلية والخارجية، والانتقال بها من مرحلة الكُلّ الجاهز والناجز إلى مرحلة الأجزاء المُتداولة في النقاشات اليومية؛ مع ما تحتمله مثل هذه النقاشات من تهذيب وتشذيب وحذف وإضافة، دونما حَجْر مبدئي على أي نقد لهكذا قضايا، بما يجعل منها قضايا ضدّ التنوير، أو هي تقف –بالأحرى- موقفاً مُناهضاً للتنوير ابتداءً، فهي لا تقبل الشراكة الذهنية أو الشرط العقلي الناقد لأطروحتها من ناحية، ومن ناحية ثانية لا تقبل الشراكة مع غيرها من الأطروحات، بل هي قضايا لا ترى الخلاص البشري إلا في متونها، لذا تصير الخُلاصات الغيرية نوعاً من اللغو الفارغ. وقد كان لهكذا أطروحات أن تصطدم بالعقل التنويري، نظراً للتعارض المبدئي بين حالتي: 1- الثبات لهاتِهِ الأطروحات و2- حالة الحركة لفكرة التنوير. لكن ذلك لا يعني بأيّ حال من الأحوال انسحاب العقل التنويري من مُطارحة مثل هذه الأطروحات وتناولها بالبحث والدرس، وتفكيك بناها وطرح جملة من الأسئلة الجوهرية حولها، بما يجعلها قابلة للعيش والتعايش، بعيداً عن أيّ إكراهات أو استلابات، حتى لو كان الثمن باهظاً ومرتفعاً. وبناء عليه، أمكننا اعتبار التنوير حركة دائمة ودؤوبة في مُطاولة اليقينيات على اختلافها، وتفكيك بناها المعرفية، بما ينسجم مع الشرط المعرفي الآني، بطريقة تجعل من وجود العقل الحاضر وجوداً فاعلاً في الاجتماع الإنساني، بما يجعل من معادلة (الثبات اليقيني/ الحِراك التنويري) معادلة برسم الانتصار للشرط العقلي، سواءً أكان مرتبة قدسية دينية، أو كان مرتبة قدسية دنيوية، كما هو الحال مع الآيديولوجيات والمفاهيم القَبلية والطائفية والقومية والوطنية...الخ.
هذا بالنسبة للسياق الأول، أما بالنسبة للسياق الثاني، فمتعلق بالأتباع والمُريدين لتلك القضايا المُحمّلة بحمولات قُدسية. فالفكرة الخلاصية التي تتبنّاها كثير من الأطروحات، تحلّ في الأتباع - حتى أولئك المُتنوّرين أو مَن يُحبّذون أن يُطلق عليهم لقب أو صفة، أو يعتبرون أنفسهم ذواتاً مُتنوّرة - لذا تصير أطروحته أو دينه أو عقيدته أو طائفته أو وطنه أو قوميته أو آيديولوجيته أو إثنيته، هي بمثابة الخلاص، ليس له فحسب، بل للبشرية جمعاء. لذا يكون تنويره ظلاماً في بُعده الحقيقي، فهو يُمارس نوعاً من الحَجْر المبدئي على أيّ رأي مُخالف، معتقداً أن الحالة المعرفية التي يتمثّلها هي حالة أخيرة ونهائية. ومن مُفارقات هذه الحالة الظلامية من التنوير المُفترض، أن يعمد المُتنوِّر إلى وصف غيره بالظلامية لأنه غير قادر على تفهّم أطروحته كما قرّت في ذهنه. ولكم يبدو النقاش بين أتباع الآيديولوجيات والأديان والإثنيات والأوطان والقوميات نقاشاً عبثياً وغير مُثمر، إذ هو يتمثّل فكرة الخلاص الفردي لا فكرة الخُلاصات الجمعية، بشكلٍ مبدئي، حتى قبل أن يستمع لأيّ وجهة نظر مغايرة أو مُخالفة. فالآيديولوجيا تتحوّل إلى جِلْد يلبسه التابع، لذا يحرص عليه من أيّ سوء، بما يجعل من نزعه بالتقادم مسألة خطيرة تتطلّب دفاعاً شرساً، لا يليق بفكرة التنوير الميّالة بطبيعتها إلى تبديل الجلود، وفقاً لراهنية الشرط المعرفي، وفاعليته في الاجتماع الإنساني.
وهكذا، فالتنوير يمكن أن يتجلّى ظلاماً في سياقاته الفاعلة، بما يجعل من الأنساق التنويرية أنساقاً خلاصية، تنحى منحى قُدسياً، يسعى إلى تثبيت الاجتماع الإنساني عند نقطة عقلية ثابتة وغير قابلة لأيّ زحزحة معرفية، بما يحيل فكرة التنوير من أساسها إلى فكرة مُجهضِة للعلاقة الجدلية بين الذات الفردية مع الذات الكُلّية من جهة؛ والعلاقة الجدلية بين الذاتين الفردية والجمعية مع العالَم من جهة ثانية. فهي تتحرّك في خطّ مستقيم، لا في خطّ حنيف.
لكنه، أعني التنوير، يمكن أن يكون مُثمراً ومُنتجاً، ليس على المستوى العقلي فحسب، بل على المستوى الإنساني أيضاً، لناحية تمثّله للتنوّع الإنساني في أرقى معانيه، سواء في مقام الأذهان أو في مقام الأعيان؛ إذا ما عُمل على:
1 - التحرّر من اللباس القُدسي الذي يلبسه الإنسان، بصرف النظر عن طبيعته، مع الوقوف على مسافة واحدة من مقدساته ومقدسات غيره، بما يجعل من الشرط العقلي شرطاً فاعلاً في النصوص، حتى تلك التي يؤمن بها الإنسان وتمنحه قيمة وجودية عالية في هذا العالَم.
2 - نزع القداسات عن القضايا التي تحمل طابعاً (كُلانيّاً)، وعدم التعامل معها ككتلةٍ واحدة عصية على النقد والمراجعة، نظراً لفائقيتها المبدئية على الشرط العقلي، فهي من طينةٍ غير طينته. بل السعي إلى تفكيك هذا الطابع الكُلّي، والاشتغال عليه نقداً، بطريقة تجعل من حضوره حضوراً عادياً، بحيث لا يعود يمارس أيّ ضغط على مسلكيات الإنسان على اختلافها.

التعليق