مكتبات مثقفين مغاربة راحلين تستمر في خدمة الثقافة والعلم

تم نشره في الجمعة 9 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً
  • جانب من المكتبة الخاصة لعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة في حوزة المكتبة الوطنية -(أرشيفية)

عمان-الغد- في ركنٍ قصي داخل أسوار المكتبة الوطنية للمملكة المغربية (وسط العاصمة الرباط)، وعلى بعد خطوات قليلة من مدخل جناح المكتبات الخاصة بعدد من رموز ورواد الثقافة المغربية الراحلين؛ ترامت عشرات الصناديق وداخلها كم كبير من الكتب والدوريات والملفات والأوراق.
وقال مبارك بدران رئيس شعبة الدوريات، بحسب ما نقل عنه موقع (الجزيرة نت)، إن المكتبة حصلت على هذه الكتب حديثا من ابنة الراحلة زهور العلوي الباحثة والمناضلة الحقوقية، "تنفيذا لعقد الهبة الموقع بين عائلة الفقيدة والمكتبة نهاية العام الماضي".
وتابع مبارك أنه يجري الاستعداد لفرز محتويات هذه المكتبة وترتيبها، ثم فهرستها يدويا وإلكترونيا وتوثيقها، لجعلها رهن إشارة الباحثين.
وقالت كنزة أومليل ابنة زهور العلوي إنها كانت مبادرة لفكرة إهداء إرث والدتها الثقافي لمكتبة عامة، نذرت نفسها لتكون خازنة للتراث الوثائقي الفكري الوطني والإنساني، لعدد من الشخصيات في عالم الأدب والفكر والعلوم.
واحتشدت كلمات كثيرة في حلق كنزة، وهي تقول "ليست بالمهمة السهلة تلك التي اتخذت فيها قرارا بوضع يدي على أغلى ما امتلكته والدتي في الحياة، لجمعه وحفظه كما شاءت وكيفما أرادت".
وأضافت "أحبت والدتي الكتاب وعشقت هذا الفضاء، فارتأيت أن تسكن فيه مكتبتها الخاصة إلى الأبد". لأن إرثها الثقافي في حياته الجديدة بهذا المكان، سيكون -برأيها- أكثر دلالة على وجودها والحفاظ على ذكرياتها، حين ينتفع به الدارسون.
ولم تكن عائلة العلوي الوحيدة التي توجهت هذه الوجهة، فالترتيبات تجري مع عائلة الأديب والروائي عبد الكريم غلاب، كما أكد مبارك الذي توقع أن تتوج بتوقيع اتفاق تصبح بموجبه المكتبة الخاصة بصاحب رواية "دفنا الماضي" الشهيرة في ذمة "المكتبة الوطنية"، لتعزز رصيدها الوثائقي الذي يصل اليوم إلى أربعين ألف كتاب".
وفي مدينة الدار البيضاء، حظيت المكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني، باحتضان فضاء عبد الهادي بوطالب المستشار السابق للملك الراحل الحسن الثاني، إذ أهدى ورثته المجموعة التراثية لمكتبته التي يصل محتواها إلى خمسة آلاف عنوان.
وتعززت المكتبة الوطنية في الآونة الأخيرة بمجموعات مهمة من المؤلفات في مختلف المجالات، كانت عبارة عن هبات من عائلات مثقفين مغاربة راحلين. وهي محفوظة في جناح خاص من خلال مجموعات بأسمائهم، حيث يسمح لأبناء وأحفاد هذه الشخصيات بزيارتها والاطلاع عليها.
وأشار الخبير في إدارة المكتبات لحسن تاوشيخت إلى أن هذه المكتبة التي كانت تحمل اسم "الخزانة العامة"، استقبلت منذ تأسيسها العام 1926 ما يقارب خمسين مكتبة خاصة لشخصيات معروفة من مختلف المجالات السياسية والثقافية والعلمية، سواء من هم على قيد الحياة أو من رحلوا عنها.
وأبرز تاوشيخت أن هذه الثروة المعرفية والثقافية الكبيرة التي عززت موقع المكتبة الوطنية كمركز لحفظ التراث المكتوب ونشره، وتنتظر من يعيد اكتشافها؛ ضمت لحدود العام 2015 ما مجموعه 235 ألفا وأربعمئة كتاب ومجلد ودراسات ومجلات في كل الميادين المتاحة، إضافة إلى مقتنيات خاصة ولوحات وصور عائلية وشهادات وتحف فنية.
ويرى تاوشيخت أن إهداء ووهب الكتب والخزانات الشخصية للأدباء والمفكرين، يعتبر شكلا آخر للمحافظة عليها وإتاحتها للمستفيدين منها بشكل أوسع.
وتابع أن هذه المبادرة ترجع إلى ورثتهم، فمنهم من يفضل الاحتفاظ بإرث ذويهم المعرفي، وهناك من يسلمه لمكتبات عامة لدواع وأسباب مختلفة.
وقد يوصي مثقفون وهم على قيد الحياة أبناءهم بالتبرع أو إهداء مكتباتهم، ومنهم من يهدي مكتبته في حياته حتى يضمن لها العناية وتعميم الانتفاع منها دائما.
ولم يخف تاوشيخت ما تمثله المكتبات الخاصة من قيمة علمية ومعرفية؛ وقال "إنه يتعين إنقاذها من البيع أو الإهمال أو أي عوارض أخرى تنتهى بها إلى مكان غير الذي يجب أن تكون فيه".
واعتبر الحفاظ على هذا الإرث الثقافي عبر تجسير العلاقة بين المكتبات العامة والخاصة، ارتقاء بالمؤسسات الثقافية البلاد، ومساهمة في جمع التراث المغربي، ووضعه رهن إشارة القراء والباحثين.
ويرى متابعون في بقاء مكتبات رواد الفكر والثقافة محصورة في منازلهم دون وجود أبناء لهم علاقة بالفكر أو الثقافة، عملا لا يضمن استمرار الاستفادة من ثراء محتواها وتنوعه.

التعليق