‘‘تبادل الأطباق‘‘ برمضان.. تلاشت في عمان وحاضرة بالمحافظات

تم نشره في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

منى أبو صبح

عمان- ما تزال الحاجة أم فيصل من سكان محافظة (المفرق) تحرص على تجهيز طبق خاص أو أكثر لجاراتها، وكذلك الحال بالنسبة لهن؛ حيث تقوم كل واحدة منهن بإرسال طبق مع طفلها قبيل حلول موعد أذان المغرب في الشهر الفضيل.
تقول أم فيصل: “تربيت على هذه العادات والطقوس الرمضانية الجميلة، فكان والدي رحمة الله عليه يشرف على سكب الطعام في الصحون قبل أن نرسلها للجيران، ويعلو صوته باللوم على أمي إن كانت الكمية غير مناسبة.. رحمهما الله تربينا على الخير والبركة”.
وتحن أم فيصل لأيام زمان تلك، مؤكدة بأنها والعديد من العائلات في منطقتها ما تزال تحافظ على طقوس تبادل الأطباق في رمضان، وأحيانا في أيام الأشهر الأخرى، من باب مد جسور المودة والألفة بين الأقارب والجيران.
يعد “تبادل الأطباق” بين الجيران من العادات والطقوس الأردنية الجميلة، كونها تزيد الروابط والعلاقات بين الأهالي في المنطقة، ويتنافس الصغار على القيام بهذه المهمة وإيصالها وسط العديد من التوصيات والتحذيرات بأن لا تسكب على الأرض أو أن يفسد مظهر الطبق في الطريق.
ولكن مع تغير العلاقات بين الناس والجيران في العاصمة عمان مع اختلاف طبيعة الحياة، نرى أن هذه العادات اندثرت، فهناك جيران لا يعرف أحدهم شيئا عن الآخر أو حتى اسمه، أما الأحياء الشعبية فهناك بعض الأهالي يقومون بها، لكن غالبية أهالي المحافظات يحافظون عليها ويتبادلون الأطباق فيما بينهم قبيل موعد الإفطار.
وكذلك هو الحال في منزل أبو هايل في محافظة (الكرك) وجيرانهم، فهم اعتادوا على تبادل الأطباق مع من حولهم في المنطقة، فهذه الطقوس بمثابة عرف لا يمكن الاستغناء عنه، حسب وصف أم هايل.
وتقول أم هايل: “نطبخ أنا وجاراتي أشهى الأطباق، وتعلم كل منها ماذا ستطبخ الأخرى في هذا اليوم، من خلال جلستنا الصباحية مع بعضنا بعضا، ولا يمضي يوم في الشهر الفضيل إلا ونتبادل به طبخاتنا، لذلك نطبخ كمية تزيد على حاجة الأسرة”.
أما الأربعينية أم فادي من سكان ضاحية الرشيد في مدينة عمان، فتقول: “أحب هذه العادات كثيرا، ولدي العديد من الجارات في العمارة، لكن علاقاتنا سطحية جدا، فأنا ربة منزل، لكن الأغلبية يعملن، فتقتصر معرفتنا ببعضنا بعضا باللقاء أوقات المناسبات أو لظرف ما”.
وتؤكد الموظفة ريما (لديها طفلان) من مدينة عمان، بأنها سعت إلى التقرب من جاراتها في العمارة ذاتها بوسائل عدة منها؛ زيارتهن والاطمئنان عليهن، وكذلك تبادل الأطباق في أيام الشهر الفضيل، لكنها لم تلق تأييدا أو إعجابا منهن، وعليه اضطرت للإقلاع عن هذه العادات ونسيانها.
ويشير خبير التراث نايف النوايسة، إلى أنه ما يزال المجتمع الأردني بخير ما دامت أواصر القربى بين الناس تتجاوز قبضة المدينة العاتية، فالناس بطبيعتهم يحبون التواد والتواصل والحميمية في العلاقات، وهذا ما يظهر بشكل أقوى في الأرياف والأحياء الشعبية في المدن وما تبقى من قرى في الأردن.
ويبين أن ذلك يكون واضحا في المناسبات وبخاصة في رمضان؛ حيث يصبح الناس في حالة شفافة وقرب روحي بعيدا عن المشاحنات والمصالح، فما أجمل أن ترى في هذه الأيام جارتين تتبادلان الأطباق “الطبخات”، وهذا يدل أولا على التقارب بين الناس وحب الخير، مضيفا أنه ونتيجة الانفلات من أسر الجدران القاتلة، وهذا ما أشهده هذه الأيام، بأن المائدة التي يكون عليها لون واحد من الطعام، أرى أنها تمتد قبيل الأذان ليكون عليها أكثر من لون.
ويقول النوايسة: “هذه الأمور نحرص نحن الذين نهتم بالتراث من أجل تجاوز الكتابة ورصد العناصر التراثية فقط إلى تمثلها والأخذ بإيجابياتها من أجل أن نحيي الواجهة التراثية الإيجابية في الأردن”.
ويوضح قائلا “وكما نعلم أن كثيرا من الدول المتحضرة تحرص على مثل هذا الأمر، ولكن نحن نختلف قليلا عنهم من خلال دفء العلاقات الاجتماعية بتبادل الأطباق، ومن أن نأبه في وسائل التواصل الحضارية القاتلة”.
ويلفت استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان، إلى أن رمضان شهر الخير والبركة والتواصل مع الآخرين، ومن صور التواصل الاجتماعي الإفطارات الرمضانية وتبادل أطباق الطعام فيما بين الأسر؛ حيث ترسل الأسرة طبقا من الوجبة التي أعدتها لعدد من الأسر المجاورة؛ حيث كان الناس في السابق يكتفون بوجبة واحدة في الغالب.
ويوضح “ومن خلال تبادل الأطباق يصبح لدى الأسرة أكثر من نوع من الطعام على مائدة الإفطار، مما يشيع روح المحبة والألفة والتكافل بين الناس، ولعل هذه العادة قد أخذت بالتلاشي شيئا فشيئا مع مرور الزمن، وخصوصا في المدن التي وبالرغم من التطور الهائل في الاتصالات، إلا أنها تشهد ضعفا في التواصل الشخصي بين الناس، فكثير من الأسر ربما لا تعرف جيرانها، ولا تقيم علاقة معهم حتى وإن كانوا يقطنون في عمارة واحدة”.
يقول سرحان: “ولعل من المناسب في هذا الشهر الفضيل أن يجد فيه الجميع فرصة لمزيد من التواصل مع الآخرين سواء بالالتقاء على الإفطار أو في صلاة التراويح والفجر وغيرها من الصلوات في المسجد ليكون هذا الشهر بداية للانطلاق إلى علاقات أفضل مع الآخرين، خصوصا أن ساعات الدوام والالتقاء في مواعيد محددة تساعد على التغلب على الكثير من الصعاب التي يتعذر بها البعض للتواصل مع الناس كالانشغال وطول ساعات العمل وغيرها من الأعذار التي يفترض أن لا تكون مانعا من تواصلنا مع الناس”.

munaabusubeh@alghad.jo

التعليق