د.باسم الطويسي

ميلاد كيانات جديدة

تم نشره في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2017. 12:06 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2017. 10:19 صباحاً

يشير إعلان إقليم كردستان العراقي عن إجراء استفتاء حول تقرير المصير وإعلان الاستقلال في أيلول (سبتمبر) القادم خطوة متوقعة نتيجة للتراكمات المتسارعة على مسار ازدهار القومية الكردية منذ احتلال العراق، فيما ساهمت التحولات الإقليمية الأخرى في منح الكرد المزيد من الشرعية والمكانة والوزن الإقليمي بعد دورهم الواضح في محاربة الجماعات المتطرفة سواء في العراق أو سورية، ويبدو أن الحلم الكردي بات قريب المنال لأول مرة في التاريخ، ولكن لن يكون الاستفتاء القادم، إن تم، حاسما في تدشين هذا الاستقلال على الأرض، فما تزال هناك صعوبات كبيرة تواجهه.
الكرد يطمحون إلى اقتناص الفرصة التاريخية التي باتت تتشكل في هذا الوقت، المتمثلة في خرائط ما بعد نهاية تنظيم "داعش" ونهاية الصراع في سورية وإعادة تشكيل المشرق العربي التي تتم ببطء منذ سنوات. رئيس الوزراء العراقي علق على قرار الكرد بإجراء الاستفتاء بأن ذلك حق لهم "ولكن إجراء استفتاء الآن لن يكون لا في صالح الأكراد ولا العراق"، وهو ما يؤكد وقائع تاريخية سابقة أن العرب هم أكثر الأمم التاريخية في المنطقة تسامحا وربما قبولا لحق الكرد بتقرير المصير رغم أن الذاكرة لا تخلو من صراعات وذكريات مؤلمة.
وعلى الرغم من أن التصويت بـ"نعم " لدولة مستقلة في كردستان لا يعني إعلان الاستقلال مباشرة حسب هوشيار زيباري السياسي العراقي الكردي المعروف، إلا أنه سيكون خطوة مهمة في بناء أرضية صلبة للتغيير، في الوقت المتوقع أن تعارض دول كبرى ودول إقليمية أي خطوة بهذا الاتجاه. وأمام الدولة المركزية في بغداد والإقليم الطامح في الاستقلال العديد من الأفخاخ التي قد تنفجر في لحظة لعل من بينها ملف كركوك، والمدن والبلدات التي سيطر عليها الكرد في الفترة الأخيرة.
على الجبهات السورية، يحقق الكرد إنجازات تراكمية فارقة، ويشكلون اليوم رأس حربة التحالف الأميركي في قتال "داعش"، ويمثل الهجوم الحالي لقوات سورية الديمقراطية على مدينة الرقة معقل التنظيم ذروة إنجازات كرد سورية بعد استبسالهم البطولي في الدفاع عن مدينة "عين العرب" كوباني في 2014.
ليس العرب وحدهم من يلوم اتفاقية "سايكس-بيكو" الشهيرة، بل والكرد أكثر منهم؛ ذلك أنهم يعتقدون أن تلك الاتفاقية أخرجتهم من الجغرافيا والسياسة أيضا. وعلى مدى القرن العشرين، ناضل هذا الشعب من أجل حلم الدولة القومية، لكن من دون طائل. وثمة محاولة وحيدة تعرف باسم "جمهورية مهاباد الشعبية الديمقراطية" التي أعلنها الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران العام 1946، وعاصمتها مهاباد. وقد ضمت 30 % من المساحة الإجمالية لكردستان الشرقية. لكنها انهارت بعد نحو عشرة أشهر. ويبدو أن التاريخ على مقربة من مواعيد جديدة ولكن بعد مرور مائة عام على خرائط سايكس بيكو الشهيرة.
كثيرون يراقبون ما الذي يجري في هذه اللحظات التاريخية، مرحلة ما بعد "داعش" واقتراب نهاية الصراع في سورية؛ فكما سيفتح المجال لميلاد كيانات جديدة فربما سوف تزول أخرى.

التعليق