جهاد المنسي

أبناء الحارة

تم نشره في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2017. 12:03 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2017. 10:18 صباحاً

زمان كانت الحارة تختلف عما نشاهده اليوم، وكانت لأهلها طقوس إنسانية واجتماعية، فهم يشعرون بكل ظرف يمر به أحد سكان الحارة ويتعاطفون معه، وأحيانا يناصرونه ويهبون لمساعدته لو تعرض لمكروه، وغالبا كانت كلمة الحارة واحدة موحدة في وجه أي طارئ يمكن أن تتعرض له الحارة  أو أي اعتداء عليها في أي وقت كان.
ورغم أن بعض المتطفلين كانوا يحاولون التطفل على الحارة والنيل منها، ورغم نجاحهم في سعيهم في أوقات محددة، إلا أن الحارة حافظت على وحدتها وشكيمتها في أوقات مختلفة، وكانت خلافاتها مهما ارتفعت وتيرتها تحل سريعا بفضل تدخل الحكماء فيها.
والأكثر جمالا ونحن نتفيأ شهر رمضان أن الحارة أيام زمان كان يميزها أن القاصي والداني والأبعد عن مركزها والأقرب كان يشعر بظروف أبنائها، ويتفاعل مع تقلباتها، وكان يأبى أي أخذ من سكانها سواء كان يقطن في الحد الداني القريب، أو في الجزء البعيد، يشعرون بما يشعر به أهل الحارة القاطنون في المنتصف، وغالبا كان أولئك القاطنون في الأطراف يتضامنون مع سكان الوسط ويقفون معهم دون النظر لبعد مكان السكن أو قربه.
وزمان رغم وجود خلافات بين أبناء الحارة إلا أن الميزة العامة أنهم كانوا ينفضون الغبار عن تلك الخلافات سريعا ويعودون إخوة متحابين، لا فرق بينهم ولا فُرقة، وكان ما يقوله حكماء الحارة الساكنون على كتف الماء، مسموعا من الجميع.
وزمان أيضا كان أولاد الحارة يسمعون كلام حكمائهم ولا يردون في أفواههم حرفا، وكان إن نشبت مشكلة بين ولد وأخيه ينهرهم كبار الحارة فيجلسون في زاوية البيت بلا نفس أو تنفيس وبدون كلمة، يحسبون حساب الحكيم إن غضب ويرفضون رفع عقيرتهم في مجالس الكبار.
دارت الأيام وتغيرت الحارة وتغيرت الأوضاع، ولم يعد الزمان هو الزمان ولم تعد الحارة كما كانت سابقا فتغير ناسها وسكانها، اختلف الناس ونفوسهم وأفكارهم ورؤيتهم، ولم يعد أحد يسمع كلام أحد ولا يسمع وجهة نظره، فبات الأخ يضحي بأخيه ولا يكترث ماذا سيحل به، وبعضهم لم يتردد في زرع أحزمة النار لتأكل بيوت الحارة فتشوه شهباء تلك البيوت وتقلق سكون ياسمين حاراتها.
اختلفت أمور الحارة، وعاث فيها الأغراب فسادا وإفسادا، واستطاعت الغربان التي استوطنت وسط أشجارها ووجدت لها ملاذا في القلب منها ان تجد لها متسعا من الوقت للتنفس، فوجدت من يردد ما تقول ويصدق كل أكاذيبها وهرطقاتها، فباتت الحارة تلفظ أبناءها، ساعة لاختلاف اللون، وأخرى لاختلاف المذهب، وثالثة لاختلاف الدين، وهكذا دواليك، وبات لا أحد يستمع للحكماء، فغاب صوت العقل، وعلا صوت من لا صوت لهم، ليستبدلوا (الفتيش) الذي كانوا يلهون به في شهر رمضان، بالنار والبارود، فلم يعد يجدي نهرهم.

التعليق