عيسى الشعيبي

شريط إخباري طويل

تم نشره في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2017. 11:05 مـساءً

كما لم يحدث من قبل، على ما تعيه الذاكرة، يتوالى دفق الاخبار كأرغفة الخبز وهي تخرج لتوها ساخنة من بيت النار، الامر الذي طال معه شريط الاخبار كثيراً، وامتلأت به شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد، ناهيك عن منصات التواصل الاجتماعي، بكل ما يلفت الاهتمام، ويشد الابصار، ويثير الخواطر والانفعالات، على نحو اكثر بكثير مما كان عليه الحال في اي وقت مضى، حين كانت الوقائع تجرى متفرقة، والاخبار المهمة تقع لماماً، والمشتغلون بالصحافة يجهدون انفسهم للحصول على عنوان رئيس لافت، يتصدر صدر صفحاتهم الأولى.
ولا أحسب ان هذه الطفرة الاخبارية، التي لا سابق لها منذ زمن طويل، اتت فقط بفضل ثورة الاتصالات، التي جعلت العالم مجرد قرية صغيرة ومنفتحة، وأتاحت الوقوف على الوقائع فور حدوثها في اي مكان من العالم، وانما ايضاً جراء تطورات عاصفة، ان لم نقل زلزالية، اجتاحت هذه المنطقة مؤخراً، وبفعل احداث جسام تزاحمت على بؤرة الاهتمام العام، بل وفاضت عنها في هذه الآونة، التي شهدت وما تزال تشهد انفجارات براكين حروب وعنف وصراعات، وما تكالب عليها من غزاة واسراب طائرات.
 السمة الاستثنائية لوقائع هذه الفترة الزمنية من حياة شعوب هذه المنطقة المضطربة على كل صعيد، ان كل حدث فيها يجبّ ما قبله من مواجز وعواجل تسابق نفسها، وان كل تطور مفاجئ يؤسس لسلسلة لا نهاية لها من التطورات الفرعية المترتبة على الاصل، وفضلاً عن ذلك فإن مثل هذه الاحداث لا تخاطب شعباً بعينه او بلداً بحد ذاته، وانما الجميع، كون تداعياتها تمس مصالح وعواطف وروابط مختلف الناس في هذه الرقعة من الارض الحبلى بتطورات عنيفة، تكاد تحدث كل طالع شمس.
 ولعل آخر متغير ساخن أخذ يملي نفسه على العامة دون استثناء، ويجبّ ما قبله من احداث وتطورات، ذلك الخلاف الخليجي المفتوح بعد على جملة اخرى من المتغيرات المتصلة بمركز حدوثه في المنطقة الاكثر حساسية واهمية للعرب، ولغيرهم في الشرق وفي الغرب، بدليل سطوة هذا الخلاف الطازج، وهيمنته الشديدة على منابر الاعلام، التي يعتقد البعض ان لها الدور الاكبر في تأجيج هذا الانفجار، الذي كانت عوامله الاساسية تتراكم في النفوس وفي العلاقات البينية المكتومة، منذ اجل بعيد.
 وبالفعل، فقد ازاح هذا الخلاف الزلزالي، المرشح للتفاقم في المدى المنظور،  كل ما عداه من احداث كبرى ووقائع وتطورات كانت تشغل البال، وطوح بها خارج دائرة الاهتمامات المركزية للناس الذين شعروا على الفور بقوة ارتداداته وفداحة تداعياته المحتملة، كونه بالغ التأثير على مصالحهم ومواقفهم السياسية المسبقة بين طرفي هذه الأزمة المفتوحة على تدخلات اقليمية ودولية واسعة، إن لم تنجح المساعي الكويتية النشطة في احتوائه داخل البيت الخليجي، ومن ثمة تفكيك قنابله الموقوتة بصورة مرضية للجميع.
 وهنا بيت القصيد وراء هذه المقاربة السريعة لتزاحم الاحداث على شريط الاخبار الطويل، ونعني به ان الضوء الساطع الكثيف على الحدث الخليجي، قد اطفأ الانوار، دفعة واحدة، على غيره من مسارح التطورات الاخرى المتفاعلة في كل من العراق وسورية واليمن وليبيا، وحدّث ولا حرج عن فلسطين، حيث بات اصحاب هذه القضايا الموجعة، يشتكون من جراء هذه العتمة المفاجئة، التي غشيت ابصارهم، وهمّشت اوضاعهم، واثقلت عليهم على نحو اشد، وهم على ما هم عليه من حالة ضياع، ومن مخاوف ازاء انتقال بؤرة الاهتمامات بعيداً عن ملاعبهم المثخنة بالجراح الراعفات.
 على مثل هذه الخلفية يمكن فهم مشاعر القلق المتصاعد، الذي اخذ يستبد بكل المتضررين من انفلات حبل الخلاف في اكثر مناطق هذه المنطقة امناً واستقراراً ورخاءً. وعلى هذه الخلفية ايضاً يمكن تلمس الخشية من تراجع الاهتمام بمجريات ملتهبة تحرق الاعصاب، بما في ذلك معركة الموصل والرقة اللتين كانتا كفيلتين وحدهما بالاستئثار على كامل مساحة الشاشة والصفحات الاولى، لو لم يقع هذا الخلاف الفائض عن الحاجة، الذي خلق كل هذه التحسبات والهواجس والارتيابات التي بدأت تأخذ بالنواصي، وتضرب تحت الخواصر، وهو ما قد يخلق حالة ذعر اعمق واشمل اذا طال امد الازمة، ودخل عليها مزيد من اللاعبين والمتربصين من دول الجوار.

التعليق