إبراهيم غرايبة

الأذكياء الفاشلون أو المهمشون

تم نشره في الأربعاء 14 حزيران / يونيو 2017. 12:06 صباحاً

لماذا لا تستقطب المؤسسات العامة والخاصة غالبا الأكثر ذكاء وإبداعا من الشباب والكفاءات؟ لماذا لا تجتذب قطاعات اقتصادية واجتماعية وتخصصات علمية ومهنية الأذكياء والمتفوقين؟ لماذا تكون نسبة كبيرة (إن لم تكن أغلبية) من قادة المؤسسات العامة ومدرائها والفئة العليا من الموظفين والقطاعات المهنية والاجتماعية والبلديات والشركات والأعمال والنقابات والأحزاب والجماعات والمنظمات محدودة الذكاء والقدرات والمهارات المعرفية والقيادية؟ أين يذهب الأذكياء والمتفوقون في المدارس والجامعات؟ لكن السؤال الأكثر ألما لماذا ينتهي المطاف بنسبة كبيرة من الأذكياء والموهوبين إلى الفشل والتهميش؟ يمكن تقدير مجموعة من الأسباب المحتملة والمرجحة للتوزيع غير العادل للأذكياء على المواقع القيادية وفي القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والتخصصية المختلفة في الوظائف العامة وفي الأسواق والمجتمعات.
أولها بالطبع وأكثرها بداهة الانسياق الاجتماعي المهيمن على اتجاهات الشباب وهو أن المتفوقين يذهبون تلقائيا لدراسة الطب والهندسة، ويمضون بطبيعة الحال بعد ذلك في قطاعات اقتصادية واجتماعية محددة، وفي ذلك فإن بقية القطاعات تتعرض للإفقار؛ إذ يتجه اليها غالبا الطلاب الأقل تحصيلا ومن غير رغبة أو اهتمام، وهي قطاعات واسعة ومهمة ومؤثرة وتوفر فرصا اقتصادية وقيادية، وبطبيعة الحال فسوف تقودها وتؤثر فيها الاتجاهات المهنية والتخصصية المؤسسة والمنشئة، لكنه ليس سببا حصريا ولا يفسر تماما هذا التشوه في غياب الأذكياء والمتفوقين عن أماكنهم ومواقعهم المفترض أن يكونوا فيها.
أظن أن السبب الأكثر أهمية هو البيئة المحيطة بالتعليم والأسواق والمؤسسات والأعمال، وهي بيئة لا تشجع على تقدم الأذكياء والموهوبين في أعمالهم ومؤسساتهم، إذ يفترض أن تقدم المنظومة المؤسسية قواعد عادلة للتنافس والتقدم المهني فيها، وأن توفر حوافز وآمالا كافية للعاملين فيها تجعلهم يواصلون العمل والبقاء في المؤسسات بمعنويات ودوافع كافية للارتقاء والتعليم والتعلم، مثل التدريب والابتعاث والادخار والاسكان والأندية الرياضية والاجتماعية والثقافية وأوعية كافية للإبداع والتطوير والتطور الذاتي والمؤسسي، فالشاب الذي ينخرط في مؤسسة عامة أو تجارية يحب أن يكون لديه تصور واقعي ومشجع لما سيكون عليه بعد خمس سنوات ثم بعد عشر سنوات، وهكذا إلى ثلاثين سنة بعد بدء عمله؛ ما يجعله يتقبل البدايات الصعبة وأن يواصل تعليم نفسه، فمن المؤكد أن الحوافز العادلة والمعقولة للمتفوقين والمبدعين تنشئ التفوق والإبداع، ويجب أن يعاد النظر أيضا في أنظمة المكافآت والترقيات على النحو الذي يجعل للشباب آمالا وفرصا كبيرة بالتقدم الاجتماعي والاقتصادي.
ومن الواضح والمؤكد أيضا أن أنظمة وسياسات الاختيار والتعيين في الوظائف القيادية والعليا في المؤسسات العامة وفي الشركات الكبرى تطغى فيها الاتجاهات الشخصية والشللية والقرابية والمؤثرات غير العادلة، وفي ذلك يصاب العاملون بالإحباط ويفقدون الدافع للعمل والجد والاجتهاد والتطوير الذاتي، وتترهل الأسواق والمهن والخدمات، وتنحسر قيم العمل والإتقان والثقة،.. ويتخلى الأذكياء عن ذكائهم إن لم يفقدوه فالذكاء وإن كان موهبة في الأساس يحتاج إلى تدريب وعناية متواصلة، وتهيمن قيم تضر بالعمل والكفاءات، فعندما يعتقد الناس أن التقدم في العمل والحياة لا يقوم على الذكاء والاجتهاد تتقدم بطبيعة الحال قيم الغش والفهلوة والشللية وعدم المسؤولية والإضرار بالمصالح والمرافق والموارد العامة والنهب واستغلال الوظيفة والمؤسسة لأغراض ومصالح فاسدة،.. والأسوأ من ذلك تتكرس سياسات واتجاهات خفية لكنها فاعلة وقوية وهي استبعاد الأذكياء والقياديين والموهوبين والجادين في العمل.

التعليق