أنصتوا إلى أبو مازن

تم نشره في الجمعة 16 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

هآرتس

غادي طؤوب   16/6/2017

كان عنوان افتتاحية "هآرتس" في 29 أيار "انصتوا لمحمود عباس". وبودي أن أنضم إلى هذه الدعوة. تعالوا ننصت، بثبات وبانتباه أيضا. فقد اقتبست اقوال عباس في الافتتاحية على النحو التالي: لا صوت يعلو على صوت السلام العادل والشامل مثل لا صوت يعلو على حق الشعوب في تقرير المصير والحرية من عبء الاحتلال. حان الوقت للعيش، انتم ونحن، بسلام، بوئام، بأمان وباستقرار. السبيل الوحيد لإنهاء النزاع والكفاح ضد الارهاب في المنطقة وفي العالم كله على اساس حدود حزيران 67 فلسطين إلى جانب إسرائيل. قبلنا قرارات الامم المتحدة، اعترفنا بدولة إسرائيل ووافقنا على حل الدولتين. والعالم أيضا اعترف بدولة فلسطين. حان الوقت لان تعترف إسرائيل أيضا بدولتنا وتنهي الاحتلال. نحن لا نزال نمد ايدينا للسلام".
هذه الكلمات، كما قيل في الافتتاحية، "توضح بشكل جلي، حاد ودقيق ليس فقط تطلعات الشعب الفلسطيني، بل تطلعات كل مواطن إسرائيلي محب للسلام يسعى لان يعيش في دولة طبيعية".
أحقا؟ الامر ال أول غير الواضح، الحاد او الدقيق هو ما الذي قصده عباس في كلمة "دولتين"، ولكن ليس "لشعبين"؛ وعليه فليس له مشكلة في أن يعترف بـ "حق الشعوب في تقرير المصير والحرية"، ولكن الا يعترف بإسرائيل كالدولة التي يقرر فيها الشعب اليهودي مصيره. لان اليهود ليسوا شعبا في نظره، وعليه فإن الدولتين اللتين يقصدهما عباس هما دولة للقومية الفلسطينية من جهة ودولة تسمى "إسرائيل" اليها "يعود" "اللاجئون" من جهة اخرى. دولتان غربي نهر الاردن، هذه لهم وتلك أيضا.
يعرف عباس من تجربته أنه يكفي تغليف هذا الموقف المعادي ببضع كلمات لها رنين ودي – السلام، الوئام، "حدود حزيران 67" وما شابه – كي يسارع إسرائيليون طيبو النوايا على الفور لتفسيرها وفقا لامانيهم، فيتجاهلوا كل باقي الاقوال التي يقولها ويسمحوا له بمواصلة تشويش حقيقة أن الفلسطينيين رفضوا كل عرض جدي كان على جدول الاعمال. فقد اداروا كتفا باردة لايهود باراك. لمبادئ بيل كلينتون، لعرض ايهود أولمرت ولجهود كونداليسا رايس في اعقابه. وكذا للعرض الذي اقترحه جون كيري وبراك اوباما. لقد أعطى هذا العرض الاخير للفلسطينيين فرصة اخرى ليثبوا انهم محبين للسلام ومحبين للوئام – وان إسرائيل تحت قيادة بنيامين نتنياهو هي العائق الحقيقي للاتفاق. وحتى يوسي بيلين دعا عباس لتغيير طريقه وللاعلان بانه يقبل الاطار النزيه لكيري للتسوية. وهو لم يفعل هذا حتى يومنا هذا.
إذن لعله من المجدي تبني توصية افتتاحية "هآرتس" والبدء بالانصات لعباس حقا. في الشهر الماضي، مثلا، في زيارة إلى الهند، القى خطابا في الذكرى الستين لـ"النكبة". لم يكن ذكر لهذا الخطاب في صحف اليسار. واحد في اليسار لم يقل انه من المجدي الانصات له. خسارة لانه في الوقت الذي لا تكون فيه اقوال السلام لعباس واضحة، حادة ودقيقة، بل مضللة عن قصد، فبالذات الاقوال التي يقولها كل الوقت عن قدسية حق العودة وعن الشهداء والارهابيين واضحة على نحو عجيب. ففي خطاب في الهند، كرر عباس بانه سيوافق على الحصول على "دولة مستقلة ذات سيادة كاملة في حدود 4 حزيران 1967 عاصمتها القدس الشرقية". وقال ان "السلام هو خيارنا الاستراتيجي، ولكن ليس بكل ثمن".
ان الاعتراف بالدولتين للشعبين ليس اغلب الظن جزء من الثمن الذي هو مستعد لان يدفعه وذلك لان "النكبة" – الظلم الذي على حد تعبيره "بدأ قبل مئة سنة مع ظهور الصهيونية مع رؤياها الكاذبة" – لم تنتهي، على حد قوله. فـ "النكبة" متواصلة. والسبيل إلى اصلاح الظلم هو اعادة دولاب الزمن إلى الوراء، على بريطانيا ان تعتذر للفلسطينيين عن تصريح بلفور، قال عباس، وعلينا جميعنا أن نعترف بـ "حق العودة" (لاجيال) اللاجئين. "شعبنا لن يترك موضوع النكبة خلفه"، صرح، "الا بعد ان يعترف بكل حقوقه الوطنية المشروعة دون أي استثناء، و أولها حق العودة...".
لما كنا نترجم قليلا جدا اقوال الفلسطينيين، وبشكل انتقائي جدا، كفيل قارئ العبرية ان يخطئ ويظن بان الاعتراف بـ "حق العودة هو موضوع رمزي كفيل بان يحل بعد أن نوافق على قبول عدد محدود من "اللاجئين" ولكن هذا بالتأكيد ليس ما يقصده عباس، إذ وفق رأيه، لا يحق له التنازل عن هذا "الحق" باسم "اللاجئين". فـ"حق العودة"، كما شرح في الماضي، "هو قرار شخصي. فما معنى الامر؟ ليس السلطة الفلسطينية، ليس الدولة، ليس م.ت.ف، ليس أبو مازن" – نعم، ولا هو شخصيا – "ولا أي زعيم عربي له الحق قي أن يسحب من احد ما حق العودة".
كفى، إذن، ان نعترف بالمبدأ، كي يتمكن كل "لاجئ" وحده ان يختار بين التعويض وبين "العودة" على اساس قرار 194 للأمم المتحدة، الذي يحرص عباس المرة تلو الاخرى على قسم الولاء له. ومن لن يرغب في ان يستخدم بوابة دخول كهذه من جحيم سوريا او لبنان، مباشرة إلى العالم ال أول لـ "الابرتهايد" الصهيوني؟
اذا ما بدأنا بالفعل ننصت لعباس بشكل منهاجي وعلى مدى الزمن سنكتشف انه لا يعد شعبه لاي حل وسط. بل العكس. فهو يعطي حوافز اقتصادية للارهاب في شكل مخصصات فضائحية لعائلات الارهابيين، وهو يمجد "الشهداء" ويسمي على اسمائهم مدارس وينشر اللاسامية الفظة في جهاز التعليم وفي وسائله الاعلامية.
وعليه، فبدلا من ان نحلي انفسنا باقتباسات وتقارير انتقائية عزلت بعناية كي يبنى برج ورق من الاخبار الكاذبة يجدر بنا أن نستوعب منذ الان ما كان ينبغي أن يكون مفهوما من تلقاء ذاته: من يسعى إلى انهاء الاحتلال، من يريد ان يكون بديلا واقعيا لحكومة نتنياهو، لا يمكنه ان يقترح السلام. فالغالبية الساحقة من الناخبين لن تشتري هذه البضاعة العليلة وعن حق. البديل الواقعي لنتنياهو هو إدارة النزاع في مواجهة أفق الانفصال، بدلا من التوسع الزاحف للمشروع الاستيطاني الذي يقترحه اليمين. هذان بديلان ومن بينهما ينبغي أن نختار الأقل شرا.

التعليق