إسرائيل تلتصق بمصلحتها لعزل الضفة عن غزة

تم نشره في السبت 17 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً
  • صياد فلسطيني يحاول نصب شباكه على شواطئ غزة-(ا ف ب)

يديعوت أحرونوت

أليكس فيشمان   16/6/2017

في ظل غياب سياسة تجاه الموضوع الفلسطيني بشكل عام وغزة بشكل خاص، تلتصق إسرائيل بالوضع الراهن الذي يقدس العزلة بين غزة والسلطة. هذه العزلة تخدم الادعاء الإسرائيلي بأن السلطة الفلسطينية لا تمثل كل المجتمع الفلسطيني، لذلك فإن التوصل إلى اتفاق معها لا يمكنه أن يشكل أساسا للاتفاق النهائي.
بكلمات اخرى: إسرائيل لا تريد فعليا توصل السلطة الفلسطينية إلى تفاهمات مع حماس لأن هذا الامر سيضر بالعزل بين الضفة وغزة. إن إسرائيل راضية جدا عن الضغط الذي تستخدمه السلطة على القطاع وتصور أبو مازن كمن يقوم بتعذيب أبناء شعبه. ومن جهة اخرى، الأزمة الانسانية في غزة لن تزيد الضرر على صورة إسرائيل فقط، بل أيضا قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية اخرى مع حماس. لذلك فإن الاجابة الإسرائيلية على الأزمة الانسانية الحالية هي محاولة القفز عن السلطة الفلسطينية من خلال جهة اجنبية توفر ثمن الكهرباء وتعيد الأزمة الانسانية في القطاع إلى حجمها السابق.
لقد تواصل منسق شؤون المناطق في الاسابيع الاخيرة بشكل مباشر مع الدول المانحة. اذا لم تكن اموال من السلطة فإن إسرائيل لن تقوم بدفع ثمن الكهرباء. وقال لبعض ممثلي الدول الاجنبية في إسرائيل في المحادثات الهاتفية ما لم يستطع كتابته رسميا. وكانت الفكرة الاساسية هي: افتحوا جيوبكم.
الجواب الذي حصل عليه من الدول العربية والغربية التي توجه اليها كان مخيبا للآمال. إن استثمار الاموال في المنطقة التي تديرها حماس، التي اعتبرها رئيس الولايات المتحدة منظمة ارهابية، ليس امرا يبعث على التشجيع. لقد كان واضحا لكل من لهم صلة بالقضية أنه توجد هنا قنبلة موقوتة. في الايام العادية كان يمكن الاعتماد على اصدقائنا في قطر من اجل حل المشكلة. إلا أنه منذ زيارة ترامب في السعودية وعلى خلفية الأزمة مع العالم العربي السني، تراجعت قطر ووقفت جانبا. سفير قطر في قطاع غزة، محمد العمري، عاد إلى البيت قبل ثلاثة اشهر، وليس من الواضح متى سيعود. شيك قطر الصغير الذي يمكنه اغلاق الزوايا غير موجود، وحتى الآن ما زالت قطر هي القناة السرية للتواصل مع حماس، لكن في موضوع الاموال هناك جمود.
مقابل تراجع قطر حاولت حماس في هذا الاسبوع فتح بوابة مصر من جديد، في يوم الثلاثاء عاد رئيس حماس يحيى السنوار من زيارة لعدة ايام في مصر. وقد كان هدف الزيارة هو التوصل إلى اتفاق مع مصر حول فتح معبر رفح وزيادة كمية الكهرباء المزودة من مصر للقطاع، لكنه عاد مع نتائج قليلة جدا. صحيح أن مصر لم تقلص كمية الكهرباء المزودة للقطاع، لكنهم لم يزيدوها أيضا، بل قاموا بخطوة عكسية واعلنوا عن وجود عمليات صيانة لخطوط الكهرباء في سيناء، الامر الذي قطع بشكل مؤقت وصول الكهرباء من مصر إلى قطاع غزة.
وليس من الواضح ما الذي تم الاتفاق عليه حول معبر رفح، لكن لا يبدو أن مصر قد تعهدت بفتحه. التعهد الوحيد الذي قدموه للسنوار كان فتح معبر رفح في عيد الفطر، ومصر من ناحيتها عادت وكررت طلبها الدائم من حماس، وهو الطلب القائم منذ سنتين والذي يواجه الرفض، وهو تسليم 17 مطلوبا من حركة الاخوان المسلمين، والابلاغ عن كل حركة في الانفاق والمساعدة في الصراع ضد داعش في سيناء ومنع تهريب السلاح إلى القطاع. وقد تم تسريب كل هذه الطلبات إلى الصحيفة اللندنية "الشرق الاوسط" من اجل وضع السنوار وحكومته الجديدة أمام التحدي.
خلال زيارته لمصر، التقى السنوار مع محمد دحلان، خصم أبو مازن الاكبر. ومصر هي التي ضغطت على السنوار لاجراء اللقاء من اجل فحص امكانية عودة دحلان إلى القطاع والاستعداد لوراثة أبو مازن. السنوار يعتبر دحلان واشيا وخائبا، وهو يتهمه بمساعدة إسرائيل على قتل رئيس الذراع العسكري في حماس، صلاح شحادة، في 2002. ورغم ذلك وافق على الالتقاء مع دحلان من اجل وضع الاصبع في عين أبو مازن. ويمكن القول إن هذا سيزيد من العقوبات الاقتصادية المفروضة من رام الله على غزة.
يوم الثلاثاء الماضي بدأت إسرائيل وحماس أيضا – بدون تنسيق لكن بشكل متواز – بحملة لتهدئة الاجواء. رئيس الامن الداخلي في حماس توفيق أبو نعيم – الصديق المقرب من السنوار، والذي كان معه في نفس الزنزانة في سجن هداريم مدة 14 سنة، خرج إلى جولة علنية في محور فيلادلفيا على طول الحدود المصرية. ويبدو أن هدف الجولة كان اعطاء اشارة للداخل بأن الامور مع مصر جيدة وأن هناك تعاون. وبالضبط في نفس الوقت، في الجانب الآخر من الحدود، خرج رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى جولة في قيادة المنطقة الجنوبية من اجل رؤية الوضع الامني على ضوء الأزمة الانسانية الآخذة في التصاعد.
وفعليا كانت رسالته: نحن لا نريد الحرب، هذه أزمة فلسطينية داخلية مؤقتة. والامر الذي لم يتحدث عنه بشكل علني هو أن التقديرات في إسرائيل تقول إن الأزمة تحت السيطرة وليس هناك اشارات على بداية مواجهة عسكرية من قبل حماس التي تخشى من أن تكون هذه هي المعركة الاخيرة لها. اضافة إلى ذلك، حسب تقديرات اجهزة الاستخبارات، اذا تصرفت إسرائيل بشكل مدروس ولم تتحرش فإن حفر العائق حول القطاع سيتم بدون احداث استثنائية عنيفة.
في يوم الثلاثاء الماضي اصدر المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي اعلانا يقول لحماس إن كل شيء كالعادة. العقيد عوديد بسيوك، تم تعيينه قائدا بدل العقيد أمير أبو العافية الذي سيرفع إلى رتبة جنرال ويصبح مسؤولا عن قسم التخطيط. ولو كان هناك شعور بامكانية اندلاع مواجهة عسكرية في الاشهر القريبة القادمة لما تم الآن بالتحديد استبدال قائد اللواء في الجنوب، الذي هو لاعب رئيسي في أي مواجهة مع غزة. وقد وصلت الرسالة لحماس. الاجهزة الامنية والعسكرية تح أول صب الماء على اللهب الذي اشتعل في إسرائيل بسبب التوقعات التي أفادت بأن الحرب ستندلع في الصيف القريب، وهذا خوفا من أن تحقق النبوءة نفسها.
لقد قررت إسرائيل السير في مناورة سياسية وهي "السير على شفا الهاوية": ايصال الأزمة إلى طريق مسدود لدفع جميع الاطراف إلى اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية المالية عن القطاع. لذلك قرر الطاقم الوزاري المقلص للشؤون الأمنية والسياسية "الكابينيت" الاستجابة لطلب السلطة الفلسطينية زيادة أزمة الكهرباء في القطاع على أمل أن يحرك هذا الامر الجهات الدولية من اجل العمل. ولكن هنا يوجد رهان: اذا لم تترك خطوة إسرائيل أي انطباع على اللاعبين ولم تصل الاموال، فإن التدهور الانساني في القطاع سيستمر وقد تتضرر صورة إسرائيل، اضافة إلى الضرر البيئي بسبب وصول مياه المجاري إلى البحر وتلويث المياه الجوفية، والأزمة الامنية أيضا.
شعور رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الاركان هو أن الأزمة ما زالت تحت السيطرة، لكن يجب جس النبض كل ساعة وكل يوم. تكفي صور الأطفال في المستشفيات وال أولاد والشيوخ بسبب نقص الكهرباء من اجل تغيير الصورة كليا. في أيام الجمعة الماضية قامت حماس بارسال المتظاهرين إلى حدود القطاع من اجل القول لإسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية إن الوضع في غزة قابل للانفجار، وقد تسببت هذه المظاهرات بقتيلين بنار الجيش الإسرائيلي. وقد تنتهي مظاهرة من هذه المظاهرات بعدد كبير من المصابين، الامر الذي قد يسبب اشتعال المنطقة.
الأزمة و"الِشبر"
أزمة الكهرباء الحالية في غزة لم تولد من لا شيء. فهي محطة اخرى في سلسلة ازمات الطاقة في القطاع التي توجد منذ سنوات، والتي تلعب فيها حكومة إسرائيل دورا مركزيا من خلال التعرج وتبذير عشرات ملايين الشيكلات. ويكشف تقرير مراقب الدولة من ايار هذا العام أنه في كانون ال أول 2015 قررت إسرائيل مضاعفة كمية المياه المزودة للقطاع. وقد استخدمت الحكومة الضغط على سلطة المياه من اجل استكمال تمديد انبوب المياه الجديد، وتم العمل على مدار الساعة، بما في ذلك في الاعياد، حيث تم اعطاء "الشبر" عشية عيد الغفران في 2016 لمنسق شؤون المناطق. إلا أنه منذ ذلك الحين لم تصل نقطة واحدة من المياه إلى القطاع من هذا الانبوب الذي كلف إسرائيل الملايين. لقد ذهبت الاموال هباء، وهذا ينطبق أيضا على خطوط الكهرباء التي بدأ العمل بها في 2005 ولم تنته حتى الآن. في كانون ال أول 2015 قرر المستوى السياسي قبول توصية منسق شؤون المناطق وزيادة كمية الكهرباء للقطاع التي هي الشرط الاساسي لاعماره. وكان من المفروض أن ينفذ القرار على الفور، بما في ذلك ايصال خط كهرباء إلى معهد تكرير مياه المجاري في القطاع. وهذا لم يحدث أيضا. وعندما سأل مراقب الدولة عن سبب عدم تنفيذ قرار الحكومة، رد مجلس الامن القومي قائلا: لم نعرف أن وزارة الأمن لم تنفذ القرار. الحديث يدور عن موقع تكرير حديث اقامه البنك الدولي والدول المانحة بمبلغ 75 مليون دولار، وكان من المفروض أن يحل مشكلة مياه المجاري المتدفقة من غزة إلى شواطئ إسرائيل. إلا أن هذا الموقع لم يعمل لأنه لا يوجد في وزارة الأمن من يمول خط الكهرباء اليه.
في الوقت الحالي تح أول إسرائيل كسب الوقت. وقد قرر الكابينيت" في بداية الاسبوع أن تقليص كمية الكهرباء للقطاع سيتم على الفور، واغلاق زر الكهرباء بشكل فوري سيتم فقط عندما تكون شركة الكهرباء مستعدة لذلك. شركة الكهرباء بدأت بالاستعداد، لكن التنفيذ لم يتم بسبب الحاجة إلى "الاستعداد البيروقراطي"، وهو اسم كود في إسرائيل لوضع متغير. اذا رغبوا، يتم انهاء الاستعداد خلال ساعة. واذا رغبوا أيضا يأخذ الامر بضعة ايام. وفي الوقت الحالي هم يكسبون الوقت.
المرحلة القادمة، اذا لم يتم ايجاد صيغة لحل أزمة الطاقة الحالية في القطاع، ستكون انزال الزر. وهنا يزداد مستوى خطر سياسة السير على شفا الهاوية. ولكن لعبة البوكر ستستمر حتى يضعف أحد الاطراف وإما أن تندلع الحرب.

التعليق