موفق ملكاوي

هُويّات خطرة!

تم نشره في السبت 17 حزيران / يونيو 2017. 12:06 صباحاً

قبل يومين، كتب أحدهم من سكان محافظة إربد، فجرا، في صفحته على "فيسبوك"، أن ثمة أصوات قصف عالية، واشتباكات عنيفة تدور بالقرب من حدودنا الشمالية، خاتما بالدعاء أن يحفظ الله جنودنا ويحميهم.
الإدراج استقطب مئات "اللايكات"، وعشرات التعليقات والمشاركات، جميعها "أمّنتْ" على دعائه، وزادت في الدعاء بسلامة الجنود الأردنيين وتوفيقهم في حماية الحدود والبلد. لكن تعليقا واحدا جاء خارجا عن السياق، بل وصادما، حيث اختار صاحبه أن يوجه الدعاء لنصرة من أسماهم "المجاهدين"، مخالفا جميع من كتبوا قبله وبعده.
صاحب التعليق كتب باسمه الصريح قائلا: "اللهم انصر المجاهدين في سبيل الله بغضّ النظر مين ما يكون.. أهم شي الذين يقاتلون في سبيل الله".
التعليق الذي اختار مصطلحا غير خاف على أحد وهو "المجاهدين"، سيبدو بريئا للوهلة الأولى، وأن صاحبه لا يقصد من ورائه سوى الدعاء بنصرة أصحاب الحق، إلا أنه يحمل في ثناياه معارضة خفية للإدراج الأساسي، ورفضا للدعاء للجنود الأردنيين، وتأكيدا على أنهم "لا يجاهدون في سبيل الله"، وهو ما تفسره عبارة "بغض النظر مين ما يكون.."، بمعنى أن الهوية التي يتمسك بها صاحب التعليق هي هوية عابرة للحدود والوطنيات، وأن انتماءه لا يتحدد بالجغرافيا بل بالآيديولوجيا. كما أن ذلك يعني أن هؤلاء الجنود لا يمثلونه أبدا، فهو متمسك بهوية تسمو على جميع الوطنيات.
هذا الشخص يمثل فئة لا بأس بها، لا تنطلق في موازنة الأمور من منطلقات وطنية، بل ما تزال تعتمد على آيديولوجية إحيائية عابرة للحدود، ترى في التنظيمات "الإسلاموية" أنموذجا لما يدعونه "الجهاد المقدس"، والذي يؤكدون على ضرورة دعمه والدفاع عنه، حتى لو كان من ضمن تلك التنظيمات "داعش" و"جبهة النصرة" و"حركة الشباب"، وغيرها.
الأخطر من ذلك، هو التأكيد أن هذا ليس تعليقا فرديا، بل هو توجه لدى نسبة لا بأس بها من الأردنيين، وفي مختلف المحافظات، لا تربطهم أي مشاعر انتماء تجاه البلد، فهويتهم متحققة لمصلحة مشاعر يختلط فيها التدين الحديث واجتهاداته المتطرفة بالسياسة، بينما تغيب عنهم أي روابط بأرضهم، بل أن كثيرا منهم يعتبرونه "جغرافيا سياسية طارئة"، ستزول لمصلحة "خلافة متخيلة"، لم تتحقق كما هي في وجدانهم على مر التاريخ الإسلامي.
هذه الفئة موجودة بيننا، والغالبية منها لم تعد تتخذ أي تُقية لإخفاء مشاعرها وتوجهاتها وميولاتها كما كانت تفعل خلال أوقات سابقة. وهي الفئة نفسها التي وجدت في كثير من البلدان العربية، والتي ساهمت بـ"فاعلية" في تدمير أوطانها وجرّها نحو الخراب ومستنقع العنف الدموي، والذي يعتبرونه "عنفا مقدسا ومبررا"، لخلخلة المجتمعات في سبيل بناء "الدولة الإسلامية". 
أخطر ما تمثله هذه الفئة، هو أنها لا تأتي من وراء الحدود، بل هي من الأخطار الكامنة داخل المجتمع، ودفاعها عن التنظيمات المتطرفة والإرهابية قد لا يتحدد فقط بمجرد "الدعاء" والترويج لها، بل من الممكن أن يتطور منظورها لـ"العمل" من "الدعوي" نحو ممارسة فعلية لأفكار المتطرفين أنفسهم، إن نحن لم ننتبه إلى خطورتهم الكبيرة، وهوياتهم القاتلة التي يروّجون لها بكل أريحية.

التعليق