د.باسم الطويسي

المتقاعدون والتطوع والتنمية

تم نشره في السبت 17 حزيران / يونيو 2017. 11:07 مـساءً

الخطوة التي أقدم عليها معهد تضامن النساء الأردني (تضامن) بتأسيس التحالف الأردني لحقوق كبار السن من اجل شيخوخة آمنة فاعلة منتجة، تعد نقلة نوعية ومهمة في لفت الانتباه الى فئة مهمة من المجتمع، فلقد حان الوقت لنشر المزيد من الوعي بأننا امام قوة مجتمعية كبيرة من الخبرات المتنوعة والرغبة في الخدمة العامة، ولكنها طاقات مهدورة ولم يتم لفت الانتباه اليها، في الوقت الذي يزداد اتساع حجم هذه الفئة في المجتمع، ومن المتوقع ان تتضاعف خلال فترة قصيرة  بفعل التحولات الديمغرافية التي يشهدها المجتمع الأردني، ونتيجة تغير نوعية الحياة.
لطالما انحصرت نظرتنا الى كبار السن او من هم في سن التقاعد بالنظرة الحقوقية، او بالعطف او في احسن الاحوال بالتعامل مع ملف انساني لفئة تحتاج الى رعاية من نوع خاص؛ وهذه نظرة تقليدية لا تراعي طبيعة المجتمع الأردني ونظم القيم السائدة فيه ولا التحولات التي مر بها. صحيح يحتاج كبار السن الى نظام تأمينات عادل، والى الرعاية الصحية واحيانا المزيد من التواصل مع الابناء والاحفاد وتجنب الاهمال، ولكن على الاغلب هناك مبالغة في الطريقة التي تعرض فيها وسائل الإعلام لحالات انسانية قاسية.  وعلى العموم تبقى حالات لا يمكن تعميمها، والاهم من ذلك كله يبدو أن المتقاعدين في بلادنا طاقة مهدورة وفئة اجتماعية ما تزال قادرة على الانتاج ولكنها مهملة. 
اليوم، هناك الاف من الأردنيين في سن التقاعد ممن تلقوا تعليما جيدا واكتسبوا على مدى عقود من العمل خبرات واسعة ومتعددة، وما يزال الكثير منهم قادرا على البذل والعطاء، وكل ما يريدونه ان يشعروا بمعنى وقيمة في الحياة من خلال تقديم شيء ما للاجيال الجديدة وللمجتمع. شخصيا اعرف العشرات من الرجال والنساء المتقاعدين الذين يعدون خبراء بالفعل في مجالات متعددة يتطلعون لعمل يخدمون فيه الناس ويتركون فيه اثرا حقيقيا، لكن لا يوجد اي اطار مؤسسي وطني مؤهل للاستفادة من هذه الطاقات ليعمل على إعادة استثمارها في اعمال تطوعية نافعة وقابلة للاستدامة.
حسب التعداد الاخير (2015) يشكل كبار السن نحو 6.1 % من السكان، اي ان لدينا ممن هم في سن التقاعد نحو 600 الف شخص، لو تصورنا ان هناك منهم عشرة الاف شخص فقط مؤهل ولديه الرغبة في الخدمة العامة التطوعية، في المدارس، في مؤسسات التدريب التقني والمهني، في الجامعات، وفي مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الاهلية والتطوعية، في البلديات، في دعم الشباب وفي المشاريع الصغيرة في المحافظات، بالتأكيد سوف يحدث ذلك فرقا كبيرا. فالذي يجعل الياباني المسن  يقطع مئات الاف الاميال لكي يخدم أناسا غرباء في جمعية خيرية في قرية في اثيوبيا او مصر او في مخيمات اللاجئين في الأردن قد يجعل الأردني ينتقل ليومين في الاسبوع للخدمة في قرية تبعد عن منزله ساعة او ساعتين؛ انه البحث عن قيمة ومعنى للحياة الذي يحتاجه ايضا الناس في بلادنا.
هناك عشرات الخبرات الثرية من دول عديدة في العالم استطاعت اعادة توظيف طاقات المتقاعدين وكبار السن في اعمال تطوعية عادت بفائدة كبيرة على المجتمع وعلى المتقاعدين. في المانيا هناك هيئة الخبراء المسنين التي تضم عشرات الاف من الخبراء كبار السن الذين يقدمون اعمالا واستشارات للعديد من المؤسسات والقطاعات، فيما تعد التجربة اليابانية الاغني في العالم سواء من خلال برامج المتطوعين من المتقاعدين او البرامج الاخرى حتى ان اليابانيين لديهم جامعة للمتقاعدين. في الولايات المتحدة توجد عشرات البرامج والمؤسسات التي تساهم في اعادة الاستفادة من خبرات المتقاعدين.
علينا الاعتراف بأن ممارسة التطوع لدينا سواء للشباب او كبار السن يشوبها الكثير من الاختلالات وما يزال مجتمعنا فقيرا بهذه الخبرة رغم كل ما نردده من تمجيد لقيمنا.

التعليق