عناقيد رمضانية

من سوء المصير فساد ذات البين

تم نشره في الأحد 18 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

عمان- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ"، إياكم وسوء ذات البين، لا أقول: حالقة الشعر، ولكن أقول: حالقة الدين.
سوء العلاقة بين المسلمين، بين الأخوين، بين الجارين، بين القريبين، بين الأم وأولادها، بين الأب وأولاده، بين الأخوة والأخوات، سوء العلاقة مطلقة، بين أي إنسانين لها أثر مدمر على الدين، يؤكد هذا المعنى حديثُ سَلْمَانَ قَالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا سَلْمَانُ، لَا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي".
أي فساد ذات بين هي عند رسول الله حالقة، تدمر الدين، لذلك: دأب الشيطان أن يحرش بين المؤمنين.
تجد المجتمع الإسلامي في وقت غفلته عن الله فرقا وأحزابا وطوائف، الآن على مستوى طائفة واحدة، على مستوى مذهب واحد، على مستوى جماعة، أينما دخلت تجد خصومات، طعن، غمز، لمز، حقد، حسد "إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ"، لا أقول: حالقة الشعر، ولكن أقول: حالقة الدين.
والقاعدة الذهبية: أن الشيطان يبدأ مع الإنسان فيوسوس له بالكفر، فإن رأى الإنسان على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالبدعة، فإن رآه على سنة وسوس له بالكبيرة، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغيرة، فإن رآه على ورع وسوس له بالمباحات، يتوسع بالمباحات إلى أن تمتص المباحات كل وقته، ويهمل عبادته، لو أن هذا المؤمن على إيمان، وعلى توحيد، وعلى سنة، وعلى طاعة، وعلى ورع، وكان بعيداً على أن ينغمس في المباحات، بقي في يد الشيطان ورقة واحدة رابحة؛ التحريش بين المؤمنين.
أحياناً ضمن الأسرة الواحدة خصومات، حسد بين الأخوة، ضمن الجيران، ضمن الأخوة، مسجد واحد تجد فيه الخصومات، لذلك قيل: لا بد للمؤمن من مؤمن يحسده، أو منافق يبغضه، أو كافر يقاتله، أو شيطان يرديه، أو نفس تؤذيه، من فعل الشيطان التفرقة، والتمزيق، والخصومات، والعداوات، والغمز، واللمز، والحسد، والغيبة، والنميمة، والتشرذم، والمسلمون لا يضعفون إلا بهذه الطريقة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾.
أي خلاف بين المؤمنين لصالح الشيطان، هو بوسوسة الشيطان، آخر ورقة رابحة بيد الشيطان؛ التحريش بين المؤمنين.
أهمية بيان النفاق
إن المنافق يعيش في حال واحد أربعين عاماً، بينما المؤمن يتقلب في اليوم الواحد في أربعين حالاً من شدة خوفه وحرصه.
إن قيمة العمل بالإخلاص فقط، والله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، أنا حينما أتحدث عن الشرك لا أقصد الشرك الجلي، الشرك الجلي والفضل لله عز وجل غير موجود إطلاقاً في العالم الإسلامي، نحن ما عندنا آلهة، وما عندنا أصنام كبوذا نعبدها من دون الله، نعبد إلهاً واحداً، لكن الخطورة ليست في الشرك الجلي، بل هي في الشرك الخفي، الإنسان أحياناً يتقن صلاته أمام الإخوة الكرام، ولا يتقنها في بيته، دخلنا في باب من أبواب الرياء والنفاق، أحياناً إذا مدح يعمل عملاً صالحاً، فإن لم يمدح لم يعمل شيئاً، فيربط عمله بثناء الناس عليه، فقد وقع حينئذ في الشرك، وأشرك نفسه مع الله، فلذلك أيها الإخوة ما من كتاب في الفقه أو في الحديث ومعظم الكتب الدينية تبدأ باب الإخلاص، وقد يقول واحد منكم: هذا الموضوع طرح كثيراً، والجواب: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾.
مؤشرات عدم الإخلاص
- إذا اختلف العمل في جلوتك عن خلوتك، فهذا مؤشر سلبي ليس في صالحك، فإن اختلف العمل بين خلوتك وبين جلوتك، يعني خلوتك وحدك جلوتك مع الناس، هذا مؤشر ليس في صالحك، معنى ذلك أن هناك خللاً في الإخلاص.
- إذا اختلف العمل مع مديح الناس لك أو مع ذمهم لك، لك أعمال طيبة مع أخت، وتقول دائماً: أنا أبتغي وجه الله بهذا العمل، صدر من هذه الأخت موقف غير مناسب، فتقسم بالأيمان المغلظة لن أساعدها بعد اليوم، معنى ذلك أنك حينما تساعدها تريد أن تستجدي مديحها وثناءها، والسمعة الطيبة، فلما واجهتك بموقف لم تكن تتوقعه حلفت الأيمان المغلظة ألا تمد إليها يد المساعدة.
إذن: الإخلاص يعني ألا يتغير العمل مع المديح أو مع الذم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾، هذه علامة ثانية.
- العلامة الثالثة: ما من عمل يرفع إلى الله خالصاً لوجهه إلا عاد عليك منه سكينة.

موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية

التعليق