لمسات إسلامية

الخطاب الإسلامي يؤمن بالتنوع والتعدد ويرفض الأحادية والإقصاء للآخر

تم نشره في الأحد 18 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً
  • مسلمة أندونسية تقرأ القرآن الكريم في الشهر الفضيل-(أ ف ب)

عمان- إن من خصائص الخطاب الإسلامي الراشد؛ التنوع والسعة في القضايا الاجتهادية التي تحتمل تعدد وجهات النظر، ذلك أن العديد من المسائل والقضايا المختلف فيها هي في حقيقتها قضايا ظنية واجتهادية وفيها مساحة واسعة لتعدد التقديرات والأحكام، فلا يصح والحال كذلك أن يستعمل فيها من أحد الأطراف المختلفين لغة قطعية حاسمة بحيث يرمي الآخرين بالجهل والضلال أو الفساد، ويصنفهم بأنهم خارجون على قطعيات الدين وثوابت الشرع.
وعبر الإمام أبو حنيفة عن هذا البعد الوسطي في لغة الخطاب حين قال: "علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن من قبلناه".
ويلاحظ غياب هذا المعنى الأصيل عن بعض الخطابات الدعوية المعاصرة التي تقدم نفسها بلغة فيها قدر كبير من الاستعلاء والفوقية واعتبار نفسها الوصية على الدين، فما تقوله فهو الحق، وما عداه فهو الباطل والضلال، ولا تقبل مبدأ الاعتراف بحق الآخر في مخالفتها الرأي والتفكير.
ومثل هذه اللغة الإقصائية قد غدت وللأسف خاصية تتميز بها بعض الخطابات الدعوية المعاصرة التي لا ترى في الآخرين إلا قطعانا من الضوال الذين ليس لهم أن يناقشوا أو يفكروا أو يعترضوا على ما يقوله أئمة الهدى والعلم.
وأرى أن مثل هذه اللغة تجافي منهج القرآن نفسه الذي جعل مساحة واسعة للحوار والتعايش مع الآخر بالرغم من الاختلاف معه في الفكر والمنهج والسلوك، فقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) المائدة/(64).
وقال سبحانه: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت/(46).
وقد غاب عن أدبيات بعض العاملين في حقل الدعوة إلى الله أن نجاح الخطاب الإسلامي يعتمد بشكل كبير على اللغة المستعملة في الخطاب التي تستطيع أن تستوعب الآخر وتستفيد من تجاربه وخبراته وإمكاناته ثم توظفها في خدمة قضايا الأمة الكلية ومصالحها العامة، وإن لغة الخطاب المبينة على الشعور بالفوقية والازدراء للآخرين لا تزيد الناس إلا بعدا ونفورا عن الخطاب وأصحابه.
ولعل هذا النزعة الاستعلائية هي من صور (التشدق) و(التفيهق) التي ذمها رسول الله صلى عليه وسلم؛ إذ بيّن أن أصحابها هم من أبغض الناس إليه صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا. وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال المتكبرون).
وقد ذكر أهل الحديث أن من معاني التشدق: المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم.
ما أحوجنا اليوم إلى إحياء أخلاقنا الأصيلة في تعاملنا مع الناس كافة وفي كيفية اختيار الخطاب الموجه إليهم ليكون خطابنا قادرا على استيعابهم وبناء القواسم المشتركة معهم وتحقيق معاني التراحم الإنساني مع شعوب العالم حتى وإن اختلفت أجناسهم وألوانهم وأشكالهم وتعددت مللهم وأديانهم ومعتقداتهم.

إعداد الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الكيلاني
رئيس رابطة علماء الأردن

التعليق