فهد الخيطان

آخر الوحدويين!

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017. 12:09 صباحاً

لم يعرف العالم من بعده زعيما يصنع الوحدة. المستشار الألماني هيلموت كول "1982-1998" الذي رحل قبل أيام، كان آخر الزعماء الذين دشنوا تجربة ناجحة للوحدة؛ وحدة شطري ألمانيا الغربية والشرقية، ووحدة الاتحاد الأوروبي التي كان رائدها الأول.
من بعده لم نعرف سوى القادة الذين قادوا بلدانهم للانقسام أو ضربوا الشراكات العالمية في الصميم.
قلما تجد زعماء على مدار التاريخ ينجحون في التقاط اللحظة التاريخية. كول كان واحدا من القلائل الذين غامروا بصناعة التاريخ. مع انهيار المعسكر الشرقي أدرك كول أنها لحظة ألمانيا لاستعادة وحدتها. لم يشاطره الكثيرون من القادة السياسيين هذا الرأي، واتخذت الأغلبية الجانب المتشكك بإمكانية تحقيق الوحدة الألمانية مرة ثانية.
لكن كول الذي كان شاهدا على بناء جدار برلين العازل، كتب له التاريخ أن يهدم الجدار بيديه، ويقود عملية مضنية انتهت بتوحيد ألمانيا على يديه.
كان كول من المولعين بوحدة أوروبا، وعمل مخلصا لتحقيقها وكان له ما أراد؛ أوروبا موحدة وقوية.
لكن في مقابل ظاهرة كول التاريخية، أفرزت أوروبا زعامات قادت بلدانها إلى التقسيم، ولعل المثال الساطع هنا تجربة الاتحاد اليوغسلافي التي انتهت بعد موت جوزيف تيتو، وانهيار القطبية العالمية إلى التفكك، ومثلها أيضا دولة تشيكوسلوفاكيا، التي انفصلت لدولتين مستقلتين.
الاتحاد الأوروبي ذاته تلقى صفعة قاسية مؤخرا؛ الوحدة التي سهر كول على تدشينها خسرت شريكا رئيسيا هو بريطانيا التي غادرت صفوف الاتحاد بعد الاستفتاء الأخير. فبينما سجل التاريخ لكول بناء الوحدتين الألمانية والأوروبية، سيسجل التاريخ لديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا بأنه الزعيم الأوروبي الذي دق أول مسمار في نعش الاتحاد.
لم يحفظ القادة العالميون ميراث كول، فقد وصل سدة الحكم في الولايات المتحدة رئيس "دونالد ترامب" جل همه تفكيك الروابط والشراكات العالمية، والانقلاب على المعاهدات التي تقرب الشعوب من بعضها.
أما في عالمنا العربي الغارق بالولايات والحروب فسيسجل التاريخ للعديد من قادته أنهم حطموا الروابط المشتركة بين بلدان العالم العربي، وداسوا على ميثاق الجامعة العربية؛ الإطار الرسمي الوحيد الذي يربط أبناء الأمة الواحدة. ولم يكتفوا بتمزيق الأمة بل انتهى بهم الحال إلى تقسيم بلدانهم. سبع دول عربية في طور التقسيم اليوم، وقد لا نطوي العقد الثاني من هذا القرن إلا وتكون هذه الدول قد أنجبت دويلات جديدة.
لقد عاش الألمان فصلا تاريخيا قاسيا، تحول مع مرور السنوات إلى قطيعة كاملة مع ماضيهم المشترك، لكن بوجود زعيم مثل كول أمكن لهم أن يستعيدوا في لحظات قواسمهم المشتركة ويتصرفوا كشعب واحد هبّ على الجانبين لتحطيم جدار برلين. لم يتبق من هذا الجدار اليوم سوى مقطع صغير لالتقاط الصورة التذكارية، أما ثقافة الجدار ذاتها فانهارت مع سنوات الوحدة والازدهار الاقتصادي.
عند استعراض حقبة كول التاريخية يتفهم المرء سلوك ألمانيا الحالي وسياستها الحريصة والمتمسكة بالوحدة الأوروبية، ودفاع المستشارة ميركل البطولي عن قيم الوحدة والشراكة مع العالم كله.

التعليق