جميل النمري

المؤشر عند الشحطة الحمراء

تم نشره في الأحد 18 حزيران / يونيو 2017. 11:08 مـساءً

على امتداد السنوات الماضية من بداية الألفية كانت الأجندة الوطنية ممتلئة بمشاريع متوالية للإصلاح تستمد الطاقة من خزان ممتلئ بالأفكار والخطط الطموحة للتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومع كل أزمة بارزة أو تغيير حكومي كان يتجدد السجال بشأن التغيير وتطبيق المشاريع الموجودة على الأرفف والموثقة في كل ما أنجزته هيئات ولجان رسمية وغير رسمية.
والآن لأول مرة أشعر وكأن الخزان قد نضب وأن المشاريع قد استهلكت فمعظمها قد طبق ولم يعد بالنتائج المرجوة، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا على التفاصيل من مشاريع إصلاح الإدارة وإعادة الهيكلة إلى القضاء والحاكمية الرشيدة ونشوء محكمة دستورية وهيئة مستقلة للانتخاب وحتى الإصلاح الاقتصادي والاستثمار والشفافية ومكافحة الفساد، مع الهيئات التي تم انشاؤها والقوانين الكثيرة التي تم إقرارها، وانتهاء بالإصلاح السياسي ويتصدره قانونا الأحزاب والانتخاب. وعليه لم يعد أمامنا سوى مسؤولين غير مؤهلين أو كسالى لا يتابعون عملهم، وهذا كان موضوع التعديل الوزاري الأخير. وهو كما يبدو، ليس التعديل الذي كان يفكر به الرئيس وكانت الإشاعات تتحدث عن موعده بعد العيد وربما بعد انتخابات البلديات واللامركزية.
حكومة النسور ولدت من رحم فكرة الحكومة البرلمانية ورغم انشغالها طوال الوقت برفع الأسعار فقد كان أمامها مشاريع إصلاحية كبرى طوال الوقت ختمتها باللامركزية وقانون الانتخاب، لكن حكومة الملقي بدأت بخزان فارغ تقريبا من مشاريع الإصلاح التي أصبحت كلها وراء ظهرنا، فطلب منها أن تضع الخطط الطارئة أو الاستراتيجية ثلاثية أو خماسية أو عشرية، وأنا لم أعد أميزها عن بعضها، لكن بتذكر بعض ما قرأت فلم أر أنها تحل أي مشكلة، إذ تضع أهدافا عامة ومثالية طرحت مرارا دون تحديد جدول زمني لالتزامات قابلة للقياس أو إجراءات وقرارات.
 ومن خبرتي، فالمسؤولون لا يحبون ذلك ولا يعتقدون أصلا أنهم مخولون بالقرار. ولا يتسع المجال لضرب الأمثلة بالتفصيل، إنما المحصلة أننا نراوح في مكاننا. ولعلنا نتقدم بصورة محددة هنا أو هناك حيث يوجد رعاية عليا استثنائية، لكننا نتراجع في عدة قطاعات والصحة مثال فاقع على ذلك وقد يكون أوضح منه الاستثمار!
نراوح في المكان وفي مجالات لا تحتاج كثيرا من المال بل قد توفر المال، مثل الإدارة، والأفدح أننا استنفدنا خطط التقدم وثمة فراغ يحيط بنا وكأن الخزان المولد للطاقة والطموح قد نضب، فلا يوجد هناك فكرة تنتظر التطبيق أو مشروع كبير نسعى له. وكنت قد كتبت مقالا سابقا عن الإصلاح السياسي حيث تم غض النظر عن فكرة الحكومة البرلمانية بعد أن فشلت الانتخابات في إفراز أحزاب برلمانية وهي انتخابات جرت بموجب قانون يفترض أنه ذروة سنام الإصلاح، وقلت حينها يجب ان نضع مقاربة جديدة مبدعة من أجل تقدم المجتمع والدولة، لكن حتى الآن ندير الشأن العام بالمياومة.

التعليق