لعلّه تعسف في استخدام السلطة

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017. 12:07 صباحاً

وليس تعسفاً في استخدام الحق، وإلاّ كان لديهم عذر أو بعض عذر، ولكنهم تعسفوا في استخدام السلطة مرتين: مرة بالاعتداء على الحرية الدينية المكفولة بالقرآن الكريم بقوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين" (6/ الكافرون) عندما أنزلوا مواطنتين مسيحيتين بصورة مهينة من باص كانتا مسافرتين فيه إلى العقبة بحجة انتهاك حرمة الصيام، ومرة أخرى بالاعتداء على الحرية الشخصية المكفولة بالقرآن الكريم بقوله تعالى: "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً. إن عليك إلا البلاغ" (48 /46)، وبقوله تعالى: "ما على الرسول إلا البلاغ" (99/5) عندما اعتدوا على مواطنين مسلمين يأكلون في مطعم بحجة انتهاك حرمة الصيام.
ويتناقض الاعتداءان مع الدستور الذي يجعل الحرية الشخصية مادة مستقلة بإطلاق، أي لا يقيدها قانون، فقد جاء في المادة الثالثة فيه: "الحرية الشخصية مصونة". كما يتناقضان مع مبادئ حقوق الإنسان المصدق عليها من الدولة، فقد جاء في المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "ان لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية". وجاء في المادة الثانية عشرة منه: "لا يُعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة". وهكذا نرى أن اعتداء السلطة على المفطرين في باص أو مطعم أو شارع (ولكن ليس مماحكة أو استفزازاً) ليس تعسفاً في استخدام الحق بل لعله تعسف في استخدام السلطة لأنه ليس لها الحق في ذلك كما يفيد القرآن والدستور ومبادئ حقوق الإنسان.
يبدو أن المعنيين بالأمر لا يدركون ما تقوم به السفارات وبخاصة الأجنبية، من متابعة لكل شاردة وواردة ونقلها إلى حكوماتها. في ضوء ذلك نتساءل: هل نحن في الرقة حيث داعش أم في أفغانستان طالبان ليقوم مسؤولون رسميون بذلك؟ وهل يقومون به خوفاً أو نفاقاً للداعشيين الظاهرين والمقنعيين في البلاد؟
لعل أقوى رد على تهافت موضوع حساسية المشاعر ما كتبه الأستاذ الألمعي معاذ بني عامر عنها في مقال: "القداسات الزائفة وسيكولوجية المتدينين" في جريدة الغد في 16/6/2017 وكذلك ما ذكره الأستاذ النبيه أحمد الجعافرة على صفحته في الفيس بوك وهو "صمود بعض المسلمين الصائمين الدائم أيام الاثنين والخميس من كل أسبوع وأوائل "الستة" من شعبان والأيام البيض دون أن يتأثروا بحالة الإفطار من حولهم". كما يصوم الأطفال في رمضان ولا ينتبهون لمفطر. 
لطالما تباهينا بانتصاراتنا الكبرى في التاريخ في معركة بدر، وفتح مكة، ومعركة اليرموك.. في رمضان، وتحدثت كل الأطياف والمستويات منا، أن الله تعالى يختبر المؤمنين في قوة إيمانهم وصمودهم. إن إفطار بعض الناس علناً في رمضان اختبار لهم، فإذا كانوا يهتزون من رؤية مفطر فهو دلالة على ضعف إيمانهم. إن المؤمن القوي هو من يبقى منيعاً أي لا يسقط أمام التحديات والإغراءات والإغواءات وبغياب الرقيب، فلا يطالب باعتقال مفطر، أو بإغلاق مطعم كيلا ينهار صومه من رائحة الطعام، أو الدخان، أو بتغطية جسم المرأة بالكامل حتى لا ينهار إيمانه برؤية شعرها أو ذراعها أو ساقها بل يمر عنها مرور الكرام وحسب قاعدة: "ذنبه على جنبه".
عندما تتطرف حكومة دينياً فإنها تجعل الوضع زائفاً، لأن لا أحد يعرف عندئذ مدى التزام المسلمين بالصيام أو بأركان الإسلام، لأن كل واحد منهم يتظاهر بالتمسك بها خوفاً أو نفاقاً لا بالإرادة والإيمان، وكل واحد آخر يتظاهر بالتصديق. لكننا باحترام الحرية الدينية، والحرية الشخصية، نعرف الحقيقة.
نحن في الأردن نتباهى بقدر من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويجب على الدولة أن تحافظ على هذا القدر للجميع، وإلا كان التدخل في الحرية الدينية والحرية الشخصية للفرد بمثابة إرهاب إداري، وتشجيعاً لحكومات وشعوب البلدان ذات الأكثرية غير المسلمة، كالهند والصين، إلى معاملة المسلمين فيها بالمثل، أي بالتضييق على حريتهم: الدينية والشخصية، وإلى عزوف السياح عن زيارة الأردن في الشهر الفضيل.
ليكون المسؤول والمواطن على بينة من سلامة فكره، أو قراره، أو إجرائه، يجب عليه أن يفكر عالمياً وأن يتصرف محلياً، بمعنى أن يسأل نفسه: هل هذا الفكر، أو هذا القرار، أو هذا الإجراء مقبول في بقية العالم أم مرفوض؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لكل أمة تقاليد و قيم يجب أن تحترم (ابو محمد)

    الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017.
    سبب منع المجاهرة بالإفطار في رمضان أنه فيها نوع من التبجح والافتخار بالمعصية فهذا العاصي المجاهر لم يستح من الله وليس فقط الخوف من التأثير السلبي على الصائم بسبب مشاهدة الأكل! كذلك ما هذا الخلط الغريب بين الصيام في رمضان وهو فرض و بين الصيام فيما دونه و هي سنه.
    لكل أمة تقاليد و قيم يجب أن تحترم دون التأثير على حرية اللآخرين فالقانون لا يعاقب مع يفطر في السر سواء كان مسلم أو لا.