هل تريد أن تكون إنسانا آليا؟

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

أغاتا ساغان، وبيتر سينغر*

وارسو، وملبورن- هل سبق أن تمنيت تنمية ذاكرة إضافية لعقلك؟ قد يكون إلون موسك قادراً على مساعدتك في ذلك.
يرأس موسك الشركة المعروفة بصنع "تيسلا"، صانعة السيارة الكهربائية الرائدة، وهو أيضاً الرئيس التنفيذي لشركة "سبايس إكس"، التي تقوم ببناء الصواريخ بحيث يمكن للبشر العيش على سطح كوكب المريخ. والآن، كشف موسك أنه هو المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "نيورالينك"، وهي شركة ناشئة تسعى إلى إنشاء زرع دماغي من شأنه أن يحول أجهزة الكمبيوتر إلى امتداد مباشر لأدمغتنا، وبالتالي تعزيز ذكائنا وذاكرتنا.
لمشاريع موسك المختلفة هدف شامل واحد: حماية مستقبل الجنس البشري. فالسيارات الكهربائية تحسن فرصنا في منع مستويات خطيرة من الاحترار العالمي. ومن شأن تسوية دائمة على سطح المريخ أن تقلل من خطر تغير المناخ -أو وقوع حرب نووية، أو إرهاب بيولوجي، أو اصطدام كويكب- وبالتالي القضاء على الجنس البشري.
تخدم شركة "نيورالينك" هذا الهدف أيضاً، لأن موسك هو من بين أولئك الذين يعتقدون أن بناء آلة أكثر ذكاء منك، كما قال نيك بوستروم، مؤلف كتاب الذكاء الفائق، هو "خطأ دارويني أساسي". ومع ذلك، ونظراً للتقدم السريع على المستوى الاصطناعي والاستخبارات، والحوافز المتعددة لجعل أجهزة الكمبيوتر أكثر ذكاء، لا يرى موسك أي وسيلة لمنع حدوث ذلك. واستراتيجيته المفضلة لإنقاذنا من سطوة آلات فائقة الذكاء مرتبطة بالحواسيب، هي أن نصبح أذكياء مثل الذكاء الاصطناعي المتطور، مهما بلغ ذكاؤه.
ليس هناك شيء جديد في ذلك؛ حيث يوجد أشخاص لديهم أجهزة إلكترونية مزروعة في أجسادهم. مثلاً، يُستخدم جهاز تنظيم ضربات القلب الاصطناعي منذ ما يقرب من 60 عاماً. ومنذ العام 1998، قام العلماء بزرع أجهزة في أدمغة الأشخاص المشلولين، مما مكنهم من تحريك مؤشر على الشاشة بأفكارهم -أو في نسخ أكثر تقدماً، تحريك يد اصطناعية يمكنها إمساك الأشياء.
هذه الأجهزة لا تقوم بتوسيع قدراتنا لتتجاوز قدرات شخص طبيعي وصحي. ومع ذلك، لى الفنان نيل هاربيسون، مثلا، هوائي مزروع في جمجمته يمكنه من سماع الترددات المطابقة -ليس فقط للألوان التي نراها -هاربيسون لديه شكل مفرط من العمى اللوني- بل أيضا للأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية، والتي هي غير مرئية لنا. ويدعي هاربيسون أنه إنسان آلي، أي كائن حي ذو قدرات تكنولوجية زائدة.
يتطلب الانتقال من هذه الأجهزة المفيدة والمحدودة لنوع من التفاعلات بين الدماغ، والآلة التي يسعى وراءها موسك، حدوث اختراقات علمية كبيرة. وتؤدي معظم البحوث حول زرع الدماغ لدى الحيوانات غير البشرية، وعقود من الضرر الذي لحق بالقرود وغيرها من الحيوانات، إلى جعل تلك الاختراقات مشكوكاً فيها من الناحية الأخلاقية. على أي حال، لكي تنجح خطة موسك، فاٍن إجراء تجارب على البشر والحيوانات سيكون أمراً لا مفر منه. وقد يتطوع المرضى المعاقون أو المرضى الذين يعانون من أمراض طارئة إلى المشاركة في البحوث الطبية التي تقدم لهم الأمل حيث لا بديل عنها. وستبدأ شركة نيورالينك بالبحوث المصممة لمساعدة هؤلاء المرضى. ولكن، ولتحقيق هدفها الكبير، فإنها سوف تحتاج إلى تجاوزهم.
في الولايات المتحدة وأوروبا ومعظم البلدان الأخرى التي لديها بحوث طبية حيوية متقدمة، تجعل القوانين الصارمة بشأن استخدام الأشخاص البشريين من الصعب للغاية الحصول على إذن لإجراء تجارب تهدف إلى تعزيز قدراتنا المعرفية من خلال ربط أدمغتنا بأجهزة الكمبيوتر. وقد منعت القوانين الأميركية فيل كينيدي، وهو رائد في استخدام أجهزة الكمبيوتر لتمكين المرضى المشلولين من التواصل عن طريق الفكر وحده، لتكون لديهم أقطاب كهربائية مزروعة في دماغهم، من تحقيق المزيد من التقدم العلمي. ولذلك، ترتب عليه الذهاب إلى بليز، في أميركا الوسطى، للعثور على جراح مستعد لتنفيذ العملية. وفي المملكة المتحدة، كان لدى محامي الآليين، كيفن وارويك وزوجته، صفائف بيانات مزروعة في أذرعهما لإظهار أن الاتصال المباشر بين النظم العصبية للأشخاص ممكن.
اقترح موسك أن القوانين التي تحكم استخدام البشر في البحث يمكن أن تتغير. وقد يستغرق ذلك بعض الوقت. وفي الوقت نفسه يمضي المتحمسون جداً قدماً إلى الأمام على أي حال. وليست لدى تيم كانون المؤهلات العلمية أو الطبية التي لدى فيل كينيدي أو كيفن وارويك، لكن هذا لم يمنعه من تأسيس شركة "بيتسبرغ" التي تزرع الأجهزة الآلية، بعد أن حاول أن يجري التجربة على نفسه. وقد وصف عمله بأنه "مثل أول معرض للإنسان الآلي في العالم"، الذي عقد في مدينة دوسلدورف في العام 2015، "دعونا نفعل ذلك ونبدأ بالتنفيذ".
كان لدى الناس في معرض سايبورغ في دوسلدورف مغناطيس، ورقائق تحديد ترددات الراديو، وغيرها من الأجهزة المزروعة في أصابعهم أو أذرعهم. وغالباً ما يقوم بالجراحة المتخصصون في الوشم، وأحياناً الأطباء البيطريون، لأن الأطباء المؤهلين والجراحين يترددون في العمل على الأشخاص الأصحاء.
هل الأطباء على حق؟ هل ينبغي عدم تشجيع الناس الأصحاء، أو منعهم، من زرع الأجهزة في جسمهم؟
يقول وارويك إن البحث العلمي قد استفاد مما فعله هواة الإنسان الآلي. ويقول: "إنه طلبهم"، وهذا يبدو صحيحاً -بما أن الناس على علم حقيقي بالمخاطر ويوافقون بحرية على مواجهتها. وإذا كنا لا نمنع الناس من التدخين، فإنه ليس من السهل أن نرى لماذا يجب منع تطوع الناس للمساهمة في تقدم العلوم. فقد يضيف القيام بذلك معنى لحياتهم. وإذا كان موسك على حق، فإنه يمكن أن ينقذنا جميعاً في نهاية المطاف.

*ساغان: باحثة مستقلة في وارسو. سينغر: أستاذ الأخلاق الحيوية في جامعة برينستون، وأستاذ فخري في جامعة ملبورن.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق