حرب حزيران 1967.. رؤية مختلفة (1 - 2)

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً
  • دبابات عربية خلال مواجهة جيش الاحتلال الاسرائيلي العام 1967 -(أرشيفية)

د.سمير مطاوع

كان مؤتمر القمة العربي الأول 1964 يهدف إلى استجماع القوى العربية ومنع إسرائيل من تحويل مياه نهر الأردن إلى النقب. في ذلك المؤتمر اتخذ العرب القرار التاريخي بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك إنشاء القيادة العربية الموحدة للتنسيق بين الجيوش العربية، تمهيدا لتحقيق التوازن مع إسرائيل وردعها عن مزيد من العدوان.
وبرغم أن العمل العربي المشترك الذي تبع القمة لم يكن فعليا على مستوى التحدي، إلاّ أن إسرائيل بحسها العدواني وضعت في حسبانها أن العرب قد يقومون بجولة حرب جديدة، في ضوء الخطة التي وضعتها القيادة العربية الموحدة التي شكلها مؤتمر القمة العربية العام 1964 لرفع القدرات التسليحية والتدريبية، وبالتالي جاهزية القوات العربية التابعة للدول المحيطة بإسرائيل بشكل أساسي للدفاع عن المنشآت العربية لتحويل مياه نهر الأردن (1) فاستعدت هي لحرب استباقية لإجهاض الجهود العربية وكسر إرادة الدول العربية المحيطة بها على الأقل.
تقرير الدراسة الشمولية التي أعدتها القيادة العربية الموحدة وقدّم إلى مؤتمر قمة 1965 أفاد ان الجيوش العربية لو تمّ إنجاز البرنامج الذي اقترحته بالكامل تسليحا وتدريبا وتأهيلا لن تكون جاهزة لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع الجيش الاسرائيلي قبل العام 1968 فكانت الخطة الإسرائيلية المضادة هي إجهاض هذا الهدف قبل تحقيقه (2).
واستنتاجا هل كانت الحرب حتمية؟
ألم يكن بالإمكان تفادي تلك الحرب وتفادي النكسة وبالتالي تفادي خسران القدس والضفة الغربية؟
نعم.. الحرب في 1967 كانت حتمية.. ليس فقط لكي تجهض إسرائيل القدرات العسكرية العربية قبل اكتمالها، بل كانت لدى إسرائيل أهداف خفية أخرى لم تكن لتتحقق بدون تلك الحرب وبدون إنزال هزيمة قاسية بالعرب.
وإذا كانت الحرب حتمية، كما سنبيّن بعد قليل، فلماذا كانت الهزيمة حتمية أيضا؟
لا يكفي القول إن التفوق الإسرائيلي في سلاح الجو كان سببا حتميا للهزيمة العربية.. كما أن المفاجأة في التوقيت لم تكن سببا أيضا، فالعرب كانوا يتوقعون الحرب، والملك الحسين تحدث عن ذلك في مؤتمر صحفي قبيل الحرب بيومين وقال إنه إن لم تقع الحرب خلال ثمان وأربعين ساعة فإن الإسرائيليين يكونون قد صرفوا النظر عنها (3).
فإذاً.. كان العرب يتوقعون الحرب ولم تكن مفاجأة.
نعود إلى الأسباب التي جعلت الحرب حتمية. لن نتحدث عن الطبيعة العدوانية لإسرائيل فهذا أمر مفروغ منه ولا يحتاج إلى أيّ إيضاح. لقد كان لدى إسرائيل أسبابها الإضافية للقيام بالعدوان. يمكن أن نشير هنا إلى الرغبة الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة بإلحاق هزيمة مرة وتحطيم الزعيم المصري جمال عبد الناصر الذي خرج من حرب 1956 منتصرا سياسيا وشعبيا فعلّقت عليه الشعوب العربية آمالا كبيرة، واعتبرته المخلّص المنتظر الذي سيهزم إسرائيل ويعيد فلسطين لأصحابها.
السبب الآخر الذي جعل الحرب حتمية الاستفزازات التي كان يقوم بها النظام السوري آنذاك حين بدأ زعماؤه بالدعوة إلى حرب تحرير شعبية لتحرير فلسطين، وراح يدعم المنظمات الفدائية التي كانت نشأت حديثا وتسهيل قيامها بعمليات ضد منشآت إسرائيلية عبر الحدود الأردنية، ما دفع إلى وصف النظام بالرعونة والمراهقة السياسية، فكانت هناك رغبة إسرائيلية مدعومة أيضا من الولايات المتحدة لكي يتم وضع حدّ للنظام السوري.. وهذا ما حدث فعلا.
إلاّ أن الهدف الأكبر للحرب الذي لم تعلن عنه إسرائيل حتى الآن تحقق بالفعل وأنجزته إسرائيل في بضعة أيام، ألا وهو احتلال الضفة الغربية والقدس، فضلا عن الجولان وسيناء وغزة.
تفاصيل المعارك والقتال يمكن الرجوع إليها في كتابي "Jordan in the 1967 War" من منشورات جامعة كامبردج وهو منشور أيضا باللغة العربية (4).
جميع الظروف الدولية والإقليمية كانت مهيّأة للحرب، كما أن الأطماع الخفيّة والمعلنة لإسرائيل جعلت العام 1967 الوقت المناسب للحرب التي نعاني من نتائجها، حتى الان على الأقل، خصوصا قبل استكمال برنامج القيادة العربية الموحدة في حينه.
لكن إذا كانت الظروف مهيأة للحرب ولقيام إسرائيل بعدوانها وتحقيق نصر مفاجىء لإسرائيل نفسها قبل أن يفاجىء العرب الذين هزموا، فهل كانت الظروف مهيّأة للأردن لكي يدخل الحرب.. فضلا عن أن يتحالف وبصورة فاجأت الجميع مع عبد الناصر ومن خلاله مع السوريين والعراقيين؟
يمكن النظر إلى هذه المسالة من منظورين، الأول موضوعي، اعتمادا على الظروف الأردنية والعربية، والثاني استراتيجي، اعتمادا على الرؤية المستقبلية للملك الحسين. وهو الاستنتاج الأساس الذي خرجت به من مقابلاتي المستفيضة معه رحمه الله (5).
موضوعيا.. وهذا كان رأي رئيس الوزراء الأسبق المرحوم وصفي التل وبعض الزعامات الأردنية، كانت الظروف مواتية لترك عبد الناصر والنظام السوري يتلقيان ضربة إسرائيلية قاصمة تنتقم للأردن لما عاناه من هذين النظامين (عبر الحروب الإعلامية بين سوريا ومصر من جهة والأردن من جهة ثانية). وكان من رأي هؤلاء أنه يمكن للقوات المسلحة الأردنية أن تحافظ على النظام العام وأن تحمي النظام الملكي ويظل الأردن محتفظا بالقدس والضفة الغربية(6).
هذا الفريق استند في رأيه على موقف الرئيس الاميركي جونسون الذي أرسل إلى الملك حسين قبيل الحرب تطمينات بأن اسرائيل لا تنوي مهاجمة الاراضي الاردنية (7). ويتحدث هذا الفريق أيضا عن رسالة رئيس الوزراء الاسرائيلي حينذاك ليفي اشكول للملك حسين يوم الحرب عبر قائد القوات الدولية الجنرال النرويجي" أود بول" بأن إسرائيل لن تهاجم الأردن طالما بقي خارج المعركة، رغم أن الرسالة وصلت صبيحة الحرب وبعد بدء القتال (8).
لكن النظرة الاستراتيجية التي كان يحملها الملك حسين للأوضاع كانت مختلفة وعلى العكس تماما من تلك النظرة الموضوعية الظرفية لبعض الساسة الأردنيين.
كان صلب الفكر السياسي للملك حسين أنه وارث مباديء الثورة العربية الكبرى التي تقوم على وحدة العرب المصيرية، وأنه المؤتمن على القدس، وما تبقى من فلسطين، باعتبار أن الضفة الغربية هي الجزء من فلسطين الذي تمكّن الجيش العربي (القوات المسلحة الأردنية) من المحافظة عليه في حرب 1948 وأصبح جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية، وعلى ذلك فإن التحالف مع الدول العربية الشقيقة التي تهدّدها إسرائيل يمثّل مشاركة عربية ضرورية لكي يدخل العرب المعركة متضامنين، لأنها – كما قال لي – معركة من أجل فلسطين (9)، واعتمد في رؤيته على ما كان يصله من معلومات عن الاستعدادات المصرية والسورية وما كان يوصف بالقوة الضاربة لمصر التي توقّع منها ان تستوعب الضربة الأولى إن نشبت الحرب، ومن ثم تصمد في وجه الهجوم الشامل الى حين تدخل الدول الكبرى.
واليوم بعد خمسين سنة هل يمكن وصف هذا الموقف للملك حسين بأنه موقف استراتيجي صائب؟ هل كان هذا الموقف هو الموقف الوحيد الذي لم يكن أمامه غيره؟ ألم يكن بإمكانه أن يناور على أساس أن أولى أولوياته حماية مملكته وشعبه؟
أشير أولا إلى صفة شخصية للملك حسين وهي أنه لم يكن يحمل في قلبه أي ضغينة للرئيس جمال عبد الناصر كما قال لي بصريح العبارة (10)، فالعلاقة الشخصية بين الزعيمين كانت قوية حتى في وقت الخلافات، واللقاءات التي جمعتهما ما بين العامين 1952 و1967 تؤكد أن الملك حسين، وموقفه في أثناء العدوان الثلاثي 1956 يدلّل على ما سيكون عليه موقفه في العام 1967 (11).
الأمر الثاني: كان الملك حسين واثقا من قوة الجماهير العربية ويدرك أن الجماهير الفلسطينية على وجه الخصوص (ونصف المملكة فلسطينية) لن تغفر له عدم مشاركته في الحرب مهما كانت النتيجة.
عبر سبع ساعات من الحوار مسجلة على خمسة أشرطة مع المغفور له الملك الحسين أبلغني انه كان يدرك العواقب التي ستتعرض لها المملكه في حال عدم دخول الحرب بغض النظر عن النتيجة(12).
ففي حال وقعت الحرب وفشلت اسرائيل في تحقيق أيّ نتائج وحقّق العرب انتصارا ولو ضئيلا، فستنظر الجماهير للملك على أنه تخلى عن واجبه للقضية العربية، وستأخذ المظاهرات الشعبية بالدعوة لإسقاط حكمه. وفي حال أن إسرائيل انتصرت، وهذا الذي كان يدركه جيدا، نظرا لمعرفته بالقدرات العسكرية لدى الجانبين، فإن الجماهير لن تغفر له عدم مشاركته وستحمّله المسؤولية عن الهزيمة، وبالتالي ستجد الجماهير المبرّر الكافي للانقضاض على النظام والمناداة بإسقاطه أيضا.
كان الملك ينظر إلى عدم المشاركة على أنها ستكون وصمة عار لن تنمحي من سمعته وتاريخه، حتى وإن استطاع الجيش العربي ضبط الوضع الداخلي في حال قيام اضطرابات نتيجة لموقفه (13).
حتى قادة الجيش أبلغوا الملك أن حماسة جنودهم وصلت ذروتها ولا يستطيعون كبح جماحهم، وأنه ستنشب أزمة خطيرة إذا أحجم الأردن عن القيام بعمل ما. لقد أبلغني بذلك قادة من الجيش بمن فيهم المشير حابس المجالي الذي كان القائد العام والفريق عامر خماش رئيس هيئة الأركان وعدد من الضباط الذين تمت مقابلتهم (14).
كما كان الضغط الشعبي إلى جانب خوض الحرب قويا إلى درجة أن الملك الحسين أدرك بحسّه وخبرته أن عدم اشتراك الاردن في الحرب قد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية.. كما أدرك أيضا أنه سيصبح متهما بأنه السّبب في أيّ فشل عربي، وسوف تأخذ تهمة "العمالة" بالتردد ضد الاردن بقدر أكبر من الحقد، ويتهم بأنه يحمي إسرائيل من خلال امتناعه عن المشاركة في القتال ضدّها، مثلما حدث بعد غارة قرية السموع التي قامت القوات الإسرائيلية بمهاجمتها ودمرتها فوق رؤوس سكانها في الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1966، أي قبل ستة أشهر من حرب 1967، فتعالت الحملات الإعلامية بأن القوات المسلحة الأردنية غير قادرة على حماية مواطنيها. بل إن إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تذيع من القاهرة أخذت تدعو الضباط الأردنيين إلى التمرد وإسقاط نظام الملك حسين(15).
بالرجوع إلى التطورات المتسارعة في حينه، والحملات الإعلامية الشرسه ضدّ الملك الحسين والنظام الهاشمي في الأردن فقد كانت احتمالات أن يتعرض الأردن للانهيار إن هو امتنع عن الانضمام للحرب كبيرة . وكان - وبغضّ النظر عن نتيجة المعركة - سيصبح كبش فداء للعجز العربي ويتعرض النظام لتهديد خطير في ضوء التفسيرات التي سيطرحها الثوريون بأنه لو انضّم للحرب ما كانت ستنتهي تلك النهاية.
الملك حسين وخلال مقابلاتي معه للتحضير لكتابي عن الحرب، يصف  حيرته في تلك الأيام الصعبة والساعات الحرجة بالقول "إن الجو الذي ساد الأردن وبشكل خاص في الضفة الغربية لم يترك أمامنا سوى الخيار التالي: إما أن نعمل في الوقت المناسب بدون أوهام عما سيسفر عنه عملنا من نتائج، ولكن تكون أمامنا فرصة للعمل بشكل أفضل مما لو امتنعنا، أو أن لا نفعل شيئا وعندها تحدث المتاعب الداخلية التي ستؤدي بنا للانهيار وتقود على الفور الى احتلال إسرائيل للضفة الغربية وربما أكثر من الضفة الغربية. وقد كان هذا بالضبط ما دفعني للذهاب الى عبدالناصر(16).
في تلك الزيارة المفاجئة والخاطفة وقع الملك حسين وعبد الناصر اتفاقية الدفاع المشترك التي ادخلته التحالف العربي الذي كان يضم ايضا العراق وسورية (17).
تجدر الإشارة هنا إلى أنه قبل عشرة أيام من هذه الزيارة أرسل الملك حسين رئيس أركان الجيش الفريق عامر خماش إلى مصر للالتقاء بالقادة المصريين الذين رحّبوا به لكنهم لم يتيحوا له الفرصة للتعرف على استعدادات مصر العسكرية أو إقامة تنسيق بين مصر والاردن. لقد قال لي الفريق خماش إنه التقى خلال الزيارة عددا من القادة المصريين بينهم ضابط الارتباط من القيادة العربية الموحدة في القيادة المصرية العليا الذي أبلغه أنه لم يكن يعلم شيئا أو يستطيع الإجابة عن أيّ سؤال. وبالتالي استنتج الفريق خماش أن القيادة المصرية لم يكن لديها أيّ خطط حربية ولم تتوقع أن يكون هناك ضرورات لخوض معركة حقيقية كان واضحا أنها قريبة (18).
لذلك لم يكن مستغربا أن الملك الحسين شعر بقلق عميق للغاية بعد المعلومات التي نقلها له رئيس الأركان بأن مصر لم تكن مدركة بأن القتال قد يحدث خلال بضعة أيام. ويقول الملك إنه كان من المرعب أن نرى المصريين وهم يتعاملون مع الأزمة وكأنها مناورة سياسية وليست مقدمات للحرب (19).
في ضوء ما كان يجري سواء علانية أو سرا، وبرغم أن عبد الناصر في خطابه الأخير قبل زيارة الملك - أي في الثاني والعشرين من ايار (مايو) 1967 - ظلّ يشتم "عملاء الاستعمار وحلفاء الصهيونية والطابور الخامس" قاصدا الأردن والسعودية.. إلاّ أنه وبعد أن أبلغ الملك حسين السفير المصري في عمان بنيته الذهاب إلى القاهرة ومقابلة عبدالناصر جاء الردّ مدويا: "أحضر حالما تستطيع" (20). هذا الرد كان يعني أمرا واحدا وهو أن عبدالناصر أدرك الخطر.
كان الملك حسين يعلم أن إسرائيل لن تجد صعوبة في اختلاق العذر للهجوم على الأردن حتى لو بقي الجيش الأردني بعيدا عن القتال ولم يطلق طلقة واحدة، لأن إسرائيل ستستغل غارات الفدائيين السابقة التي انطلقت من سورية عبر الأراضي الأردنية لتبرير غزوها للضفة الغربية كما حدث في غارة قرية السموع. وحتى لو أظهر الأردنيون تأييدهم لمصر وسورية بقصف محدود بالمدفعية ضد أهداف إسرائيلية، فإن إسرائيل ستستغل ذلك القصف للهجوم على الأردن بعد أن تكون قد ألحقت الهزيمة بمصر وسورية. وفي هذه الحالة ستكون لدى الأردن فرصة ضئيلة جدا لحماية الضفة الغربية. ولهذا السبب خلص الملك الحسين إلى أن أمل الأردن الوحيد لمنع وقوع هذه المأساة يكمن في تشكيل التحالف مع مصر وسورية. كان الملك يعتقد أن القوات المسلحة الأردنية يمكن أن تقدّم مساهمة مهمة للمجهود الحربي العربي وأن من واجبه أن يفعل ذلك. وشعر أيضا أن عليه أن يكون صادقا مع القيم العربية التي يؤمن بها ويشارك في العمل العربي المشترك (21).
وبرغم أن الحسين لم يكن راغبا بدخول الحرب وكان متأكدا من خسارتها، وكان يرى أن الحرب هي الخيار الأسوأ المتاح للعرب. وفي أواخر أيار (مايو) أيقن الملك أن العرب تجاوزوا خط النهاية وقطعوا نقطة اللاعودة وأن الحرب غدت أمرا محتوما.
ظل الملك الحسين يعتقد أن العرب سيقاتلون صفا واحدا ويصمدون إلى حين تدخل المجتمع الدولي لفرض وقف الحرب، وربما فرض تسوية تنهي النزاع ويبدأ عصر جديد في الشرق الأوسط. وفي رده على سؤال قال لي الحسين إنه حيث لم يكن هناك بلد عربي قادر لوحده على مواجهة اسرائيل فقد صار من الضروري التنسيق بين القدرات العربية قبل الانضمام للمعركة. وقد أدرك الملك أنه إذا كان الأردن سيتعرض كما هو المرجح للهجوم مهما فعل، فإن الخيار الأمثل يكمن في القتال ضمن جهد عربي شامل وبالتالي تقليص حجم  الخطر.
أما إذا حدثت المجابهة مع اسرائيل بعد هزيمة مصر وسورية فإن الأردن لن تكون أمامه أيّ فرصة للنجاة. أما إذا انضمّ إلى مصر وسورية مجبرا إسرائيل على القتال في ثلاث جبهات فانها لن تستطيع أن تستخدم سوى ثلث قواتها ضد الأردن. وضمن جهد عربي موحد ستتوفر للأردن قوة عسكرية عربية كافية لمساندته كما كان متوقعا (22).
فوق ذلك كان سلاح  الجو الأردني نقطة الضعف الكبرى في النظام الدفاعي الأردني، وبدون غطاء جوي مناسب فإن القوات الأردنية ستكون مكشوفة أمام هجمات إسرائيل، ما يضعف قدرة هذه القوات على المناورة ويوقع خسائر كبيرة بين صفوفها. أما بتقديم غطاء جوي من قبل مصر وسورية، كما كانت تنصّ اتفاقية الدفاع المشترك، فكان يمكن تعديل الميزان العسكري وتقديم الفرصة للقوات الأردنية لإظهار مقدرتها القتالية، وتوفير  قوات كافية للأردن لإقامة خط دفاعي ثان، ولذا كان قبول دخول قوات عربية إلى الأردن هو الحل لجعل احتمالات تغلغل إسرائيل في الضفة الغربية اكثر صعوبة (23).
لقد جاهر النظام السوري بالعداء لإسرائيل وأخذ يدعو لشنّ حرب تحرير شعبية ضدّها لأنها – في نظر قادة ذلك النظام - " الأسلوب الوحيد الكفيل بتحرير فلسطين"!!  وقام بتحريض جمال عبد الناصر على اتخاذ خطوات كانت في غير وقتها، ما أعطى اسرائيل كلّ المبررات للقيام بحربها التي كانت مستعدة لها أكبر الاستعداد.
إجراءات عبد الناصر بشأن إغلاق مضائق تيران وخليج العقبة أمام السفن الإسرائيلية، والطلب من الأمين العام للأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء وشرم الشيخ جعلت الأردن يتيقن بأن الحرب واقعة لا مفرّ منها، مع أن الحسين لم يكن يعتقد أن عبد الناصر كان جادّا في نوايا الحرب، وأنه قام بتلك الخطوات من باب التهديد ومحاولة الردع. وبخبرته العسكرية وحدسه الأمني أدرك الملك أن هذا ما كانت اسرائيل تنتظره للقيام بضربتها وإكمال احتلال فلسطين كلّها وتدمير القوة العربية.
خلال اجتماع استراتيجي عقده الملك مع قادة الجيش (24) تمّ بحث إجراءات عبدالناصر والتأكيد على عدّة نقاط أبرزها أن هدف إسرائيل الاستراتيجي ظلّ دائما الضفة الغربية والقدس، وأيّ نكسة إسرائيلية على الجبهة المصرية سيقدم لها بشكل تلقائي الحافز لشنّ هجوم على الضفة الغربية، ولذلك فإن قيام الأردن بدوره في العمل العربي المشترك سيقلّص فرص الخطر، وربما يتمّ إيقاف التقدّم الإسرائيلي، خصوصا إذا حصل الأردن على الغطاء الجوي الذي كانت قواته بحاجة ماسّة إليه.
دخل الأردن الحرب وهو يدرك مسبقا، كما قال لي الحسين، ان نتيجتها ستكون هزيمة. ومع أنه عسكري محترف فقد تفاجأ الملك بحجم الهزيمة التي لحقت بالعرب وبكل هذه السرعة التي لم تكن متوقعة. كان متأكدا من الخسارة لكنه لم يكن يتوقّع أن تحقّق إسرائيل نصرها بكلّ تلك السهولة والسرعة التي كانت عليها (25).
بحسب  اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعها الملك مع عبد الناصر في الثلاثين من  ايار (مايو)، أي قبل الحرب بخمسة أيام فقط كان الوضع واضحا: الجبهة الأردنية أطول الجبهات، والانتشار العسكري الأردني ليس كثيفا وبالتالي لا يغطّي الجبهة بشكل كاف، إلى جانب أن القطعات الثقيلة والقوات الضاربة (اللواءان المدرعان الأربعون والستون) كانت بعيدة عن خط التماس المباشر بموجب اتفاقيات الهدنة الموقعة العام 1949 (26)، فضلا عن نقلها المفاجيء والخطير من مواقع تحصيناتها الاستراتيجية وفق تموضع دفاعي مدروس جيدا، بناء على معلومات غير مؤكدة عن اندفاع قوات مصرية في النقب، وبالتالي تعرّض اللوائين للقصف الجوي الكثيف والمتواصل الذي حدّ من قدراتهما القتالية فضلا عن المشاركة كما كان محدّدا في خطط الدفاع الأردنية (27). وللتذكير؛ ففي اتفاقية الدفاع المشترك تمّ الاتفاق على أن يكون دور الأردن العمل على منع إسرائيل من مهاجمة كلّ دولة مواجهة منفردة، وعلى ذلك فقد كان يتعين على الأردن إشغال جانب من الجيش الإسرائيلي كان سيستخدم فيما عدا ذلك ضدّ جبهة مصر أو جبهة سورية، وكان من شأن هذه الخطّة أن تزيد من فرص نجاح القوات العربية في صدّ الهجوم على جبهتي مصر وسورية، أي أن جهدا منسقا للدول العربية الثلاث سيحول على الأقل دون إسرائيل وتحقيق نصر سريع، ويوفر وقتا كافيا لتدخل الدول الكبرى وفرض السلام.
بالنسبة للأردن الانضمام للحرب، بالإضافة إلى أنه يؤكد التزامه بالقضية العربية والعمل العربي المشترك، كان عملا محسوبا يهدف إلى زيادة فرص منع اجتياح اسرائيل للضفة الغربية الذي كان الأردنيون يعتقدون أنه أمر مؤكد.
من هنا كان الاتفاق ينص على أنه في حال اندلاع الحرب تقوم القوات الأردنية فقط بمشاغلة العدو وإجباره على حجز جزء من قواته في المنطقة الوسطى المواجهة للقوات الأردنية في الضفة الغربية ريثما تتمكن القوات المصرية على وجه الخصوص، وكذلك القوات السورية، من استيعاب الهجوم الأولي ومن ثم القيام بالهجوم المضاد.. وبعد ذلك كان من المتوقع أن يصدر مجلس الأمن قرارا بوقف الحرب.

هوامش:
1 -  محاضر مؤتمرات القمة العربية، جامعة الدول العربية 1965، وثائق القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – دائرة التوجيه المعنوي 1965، طالع أيضا محمود رياض وزير خارجية مصر 1965-1968
The Struggle for Peace in the Middle East كتب كوارتت، لندن، 1981، ص2.
2 - وصفي التل: كتابات في القضايا العربية، دار اللواء للصحافة والنشر، عمان، 1980، ص326 ويشار إلى هذا المرجع لاحقا: وصفي التل.
3 - تقرير الرصد الإذاعي، إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، عمان، أيار (مايو) 1967 ويشار إلى هذا المرجع لاحقا  الرصد الإذاعي.
4 - د. سمير مطاوع Jordan in The 1967 War ، منشورات جامعة كيمبردح في كيمبردج ونيويورك،1987، ص ص 122 – 162.
5 - مقابلات مع المرحوم الملك الحسين بن طلال في عمان ولندن نيسان (أبريل) – أيار (مايو) 1984 مسجلة على خمسة أشرطة كاسيت مدتها الكلية سبع ساعات منحت حصريا للكاتب، مكتبة د. سمير مطاوع الوثائقية، ويشار إلى هذا المرجع لاحقا: مقابلات مع الملك الحسين
6 - وصفي التل كما أعلاه ص 329.
7 -  وثائق الديوان الملكي الهاشمي، ملف 1967، وأيضا مقابلة مع دولة السيد زيد الرفاعي رئيس الوزراء الأسبق: أمين عام الديوان الملكي الهاشمي العام 1967 ويشار إلى هذا المرجع لاحقا: زيد الرفاعي.
8 - مقابلات مع الملك الحسين.
9 - المصدر السابق.
10 - المصدر السابق.
11 - التذكير باستعداد الحسين لدخول الحرب إلى جانب مصر أثناء العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي العام 1956 لولا أن الرئيس عبدالناصر طلب منه ألاّ يفعل ذلك حتى لا تستغل إسرائيل هذه المشاركة فتقوم باحتلال الضفة الغربية.
12 - مقابلات مع الملك الحسين كما أعلاه.
13 - المصدر السابق.
14 - مقابلات مع كبار القادة العسكريين الأردنيين في عمان في الفترة بين 1/3/1984 و30/6/1984 وهم المشير الشريف زيد بن شاكر القائد العام بعد إعادة تنظيم وتأهيل القوات المسلحة (العقيد قائد اللواء المدرع الستين في معارك حرب 1967) والمشير حابس المجالي القائد العام للقوات المسلحة الأردنية العام 1967، والفريق عامر خماش رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة الأردنية العام 1967، والفريق فوزي عبيدات آمر كلية الحرب الملكية ومدير العمليات في القيادة العامة برتبة عميد في فترة المقابلات في عمان، واللواء يوسف كعوش العضو الأردني في هيئة أركان القيادة العربية الموحدة العام 1967، واللواء يوسف الدلابيح  (ضابط الأركان برتبة مقدّم في اللواء المدرع الستين أثناء معارك1967) ويشار إلى هذا المرجع لاحقا "مقابلات مع كبار القادة العسكريين" كل باسمه لاحقا.
15 - منشورة في " الإيجيبشن غازيت 23+24/11/1966، وأيضا في الوثائق الفلسطينية الدولية من منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1967 ص 194 وأيضا صحيفة النيويورك تايمز عدد 22/11/1966.
16 - مقابلات مع الملك الحسين.
17 - اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن الموقعة في القاهرة من قبل الملك الحسين والرئيس عبدالناصر في 30/5/1967، وثائق الديوان الملكي الهاشمي، وأيضا "الوثائق الأردنية" 1967 منشورات دائرة االمطبوعات والنشر،  عمان، 1968، ويشار إلى هذا المصدر لاحقا "اتفاقية الدفاع المشرك".
18 - مقابلة مع الفريق عامر خماش.
19 - مقابلات مع الملك الحسين.
20 - وثائق الديوان الملكي الهاشمي العام 1967.
21 - مقابلات مع الملك الحسين كما أعلاه.
22 - المصدر السابق.
23 - اتفاقية الدفاع المشترك كما أعلاه.
24 - مقابلات مع المشير حابس المجالي والفريق عامر خماش.
25 - مقابلات مع الملك الحسين كما أعلاه.
26 - خطط العمليات في الضفة الغربية، تقارير العمليات الحربية على الجبهة الأردنية، وثائق القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية 1967 ويشار إلى هذا المرجع لاحقا "تقارير العمليات".. أمر عمليات عسكرية 1/65 و1/67
(كانت اتفاقيات الهدنة الدائمة الموقعة العام 1949 تنص على عدم تمركز السلاح المدرع في كلا الجانبين مسافة 30 كيلومترا عن مركز مدينة القدس، وتقيدت بها أسلحة الدروع الأردنية فيما لم تلتزم إسرائيل بهذا الشرط كما تبين لاحقا).
27 - مقابلة مع المشير حابس المجالي كما أعلاه.

التعليق