حنان كامل الشيخ

تامر حبيب والنصوص المقتبسة

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

بأسلوبه الذكي المختلف دائما، استطاع الكاتب المصري تامر حبيب مع ورشة كتابة درامية متماسكة، أن ينقل لنا هذا “الرمضان” قصتين في منتهى الجمال والرشاقة، رغم الصورة أو العنوان الخارجي لكل منهما، واللذين سينبئان أي متلق بأن القادم شكله كارثة!
ففي الوقت الذي يبدو جليا للمشاهدين والمتابعين عموما، تقهقر النصوص وغيابها بشكل شبه كامل عن الإنتاجات الدرامية في الأعوام الفائتة، واعتماد غالبيتها على القصص المنقولة عن مسلسلات أو أفلام أجنبية، سواء أميركية أو تركية أو مكسيكية، يظهر في التوقيت ذاته اجتهاد هنا أو هناك، يوازن ما بين عملية نقل القصة واللعب على المحتوى، بحيث لا تكون اللقطة باللقطة والحوار بالحوار.
صحيح أن استسهال نقل الأعمال الدرامية ليس عملا يعتد به، في ظل آلاف الكتب والروايات والمؤلفات التي تملأ مكتباتنا العربية. إنما على الأقل جودة نقل العمل بالطريقة التي تعامل بها مثلا تامر حبيب، وإخضاعها لمكونات المجتمع العربي عموما والمصري خصوصا، بحيث تظهر المخرجات وكأنها عربية صرفة، مثلما يحدث مع مسلسل “حلاوة الدنيا”، يخفف وطأة العتب على كاتب كبير وحساس مثله.
والحقيقة أن هذا العمل بالذات، بتفاصيله الدقيقة وحواراته القريبة من الواقع كثيرا، وسيناريوهات أحداثه، كان من الممكن أن تكون عربية أو لنقل مصرية صرفة، بدون العودة إلى القصة المكسيكية التي اقتبست منها أحداث المسلسل. لأن بطلي العمل في الأساس تقوم حكايتهما على إصابتهما بمرض السرطان، وما ينطوي على ذلك من معاناة نفسية وجسدية، وتقاطعات مصالحهما المهنية والأسرية، وتأثير ذلك كله على سير حياتهما التي انقلبت رأسا على عقب. فهذه القصة كان بإمكان الكاتب أن يبتدع أجمل منها لو قام بنقل حكايات حقيقية لمرضى السرطان في بلده فقط. هذا المرض الذي يأخذ حيزا كبيرا و واسعا من اهتمام الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام، نراه مصورا ومنقولا باليوم عشرات المرات عبر إعلانات مستشفياتهم.
إنما هذا الأمر لا يقلل من شأن المسلسل الجميل، واقترابه الحساس جدا من اليوميات المصرية الخاصة، لغة وصورة وموسيقى وإخراجا، رغم أن بطلي العمل هما تونسيا الأصل، وقد قاما بأداء دوريهما بشجاعة وإتقان يحسبان لهما.
العمل الآخر هو في الأساس رواية للكاتب الراحل إحسان عبدالقدوس، ويحمل العنوان نفسه “لا تطفئ الشمس”، والذي تحول إلى فيلم سينما في ستينيات القرن الفائت.
الرواية أيضا خضعت لمبضع الجراح الساحر تامر حبيب، هذه المرة ليقرأها هو من زواياه المختلفة، ويجبر متابعي المسلسل على اللحاق بثوراته الصغيرة، في ميادين القصة الأصلية. وقد فعل الشيء ذاته مع رواية عبد القدوس، حين استوحى منها الإحساس والرؤية العامة، ثم قرر أن يتنقل فوق جسم القصة الأصيل بخطوات راقص باليه محترف!
مما لا شك فيه أن هذا العمل تحديدا “لا تطفئ الشمس” سيأخذ نصيبا جيدا من التقييمات الإيجابية التي تلحق بانتهاء الشهر. ولكنه من الناحية الأخرى يجب أن يكون مفترقا مهما للكتاب والفنانين، سواء المشاركين في تجسيد شخصياته أو غيرهم، خاصة أولئك الذين ظهروا فيه وكأننا نعرفهم للمرة الأولى، مثل الفنانة ريهام عبدالغفور التي كانت مفاجأة العمل.
المفترق الذي أتحدث عنه هو أن الإبداع في الأداء والتفكير والقرار ليس مهمة مستحيلة، في ظل ظروف سياسية وإنسانية واقتصادية، أفرزت قصصا وروايات تفوقت على خيال المراحل السابقة بكثير. وأنها وحدها تصلح أن تكون مظلة واسعة جدا لأعمال جيدة في قادم الأيام، وبدون اللجوء للفكرة من الخارج أو من الدفاتر العتيقة.

التعليق