باراك يهدد بأن يضرب مرة اخرى

تم نشره في الثلاثاء 20 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

هآرتس

حاييم رامون

20/6/2017

يحاول اوري مسغاف وصف إيهود باراك كقائد بدون اخطاء وجدير بأن يوضع في نفس المستوى مع قادة إسرائيل الكبار ("هآرتس"، 8/6). وحسب رأيه، اليمين يخشى عندما يسمع اسمه، لكن اليسار بضيق أفقه يرفض تنصيب باراك عليه. إلا أن الحقيقة هي أن العكس هو الصحيح.
صحيح أن باراك هزم نتنياهو في 1999 وفاز عليه في الانتخابات المباشرة لرئاسة الحكومة. ولكن في انتخابات الكنيست فاز المعسكر اليميني المتدين على معسكر الوسط – يسار بفرق عشرة مقاعد. صحيح أن باراك شكل الحكومة، لكن بفضل قدراته السياسية نجح خلال سنة ونصف في تفكيك الائتلاف الواسع الذي شكله، وفي 2001 اضطر إلى أن يتنافس مرة اخرى على رئاسة الحكومة، حيث كانت النتيجة الهزيمة الاصعب في جميع الانتخابات الشخصية لرئاسة الحكومة. فاز عليه اريئيل شارون بـ 62.5 في المائة مقابل 37.5 في المئة. في تلك الفترة، قبل خطة الانفصال، كان شارون رجل يميني متطرف، واعتبر أبو المستوطنات بسبب مساعدته في اقامة العشرات منها فوق كل تل وتحت كل شجرة.
في العام 2007 ضرب البرق مرة اخرى: فاز في الانتخابات التمهيدية في حزب العمل، وتفوق على عمير بيرتس وعامي ايلون. اعضاء حزب العمل الذين انتخبوه آمنوا بأن باراك جديد قد وُلد. عندها وقف باراك على رأس حزب العمل في الانتخابات التاريخية للكنيست في 2009 وأخذ الحزب إلى الهزيمة الأكبر في تاريخه، حيث حصل على 13 مقعدا (وبشكل أدق، حصل على 12 مقعدا أضيف اليها مقعد آخر بسبب اتفاق الاصوات العائمة مع ميرتس). حزب العمل برئاسة باراك اصبح الحزب الرابع من حيث حجمه في الكنيست وخلف يسرائيل بيتينو. فقد حصل فقط على 30 في المئة من عدد المقاعد التي كانت له في عهد اسحق رابين قبل ذلك الوقت بـ 15 سنة.
لو كنت يمينيا لكنت أملت عودة إيهود باراك لقيادة الوسط – يسار. لم يكن هناك أحد أضر بمعسكر الوسط – يسار أكثر منه. وليس بالامكان هنا التطرق إلى جميع افعاله، لكني سأحاول التركيز على البارزة منها:
في مؤتمر شفاردستون في نهاية 1999 بدأ باراك بالتفاوض من اجل الاتفاق مع سوريا حول مرتفعات الجولان، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون في حينه. وفي اللحظة الاخيرة تراجع عن تعهده لكلينتون وهرب من اتفاق تاريخي حمل بين طياته مصالحة مع كل العالم العربي: "55 شخصا ممن يلبسون الكوفيات" كان من المفروض أن يأتوا إلى القدس ويقيموا علاقات رسمية بين إسرائيل والعالم العربي والعالم الاسلامي، كما قال باراك نفسه.
عندما كان رئيسا للاركان وعندما اصبح وزيرا فيما بعد، عارض باراك اتفاق اوسلو. وعارض ايضا اوسلو ب. وتآمر عليه من اجل اسقاطه. في الفترة القصيرة التي كان فيها رئيسا للحكومة حصل باراك على المديح من شخصيات يمينية بارزة مثل الوزير السابق اسحق ليفي وزئيف حيفر (زمبيش)، رئيس بناة المستوطنات في الضفة الغربية. وحسب شهاداتهم، لم يكن هناك زعيم أكثر من البناء في المناطق مثل باراك.
ولكن الكارثة الاكبر التي تسبب بها باراك لإسرائيل حدثت في مؤتمر كامب ديفيد 2000. فقد جر باراك إلى هناك الفلسطينيين والادارة الأميركية بفضل خدعته التي سوقها، وهي أنه سيتم الاتفاق على كل شيء. كان هناك اشخاص آخرون وأنا من ضمنهم، حذروه من أن طريقة "كل شيء أو لا شيء" ستؤدي في ظل الواقع الموجود إلى "لا شيء" وإلى الفوضى السياسية والامنية. وقد اقترحنا عليه العودة إلى عملية اوسلو وتنفيذ النبضة الثالثة في الاتفاق، التي تهرب منها هو ونتنياهو. ولكن باراك اعتقد أنه يعرف ما هو الصحيح أكثر من أي شخص آخر.
بعد الفشل الذي لا مناص منه في كامب ديفيد، واثناء العودة إلى إسرائيل في 28 تموز 2000، توجه المراسل السياسي لصحيفة "هآرتس" ألوف بن إلى براك وسأله عن مصير النبضة الثالثة. فرد باراك "لقد ماتت موتا طبيعيا". ولم يكن دقيقا، فقد قتلها باراك بشكل متعمد وأنزل ضربة بلطة على اتفاقيات اوسلو.
باراك انضم إلى نتنياهو وكانت النتيجة، مثلما كتب الوف بن "النبضة الثالثة تمت ازالتها من برنامج العمل اليومي، وكل تغيير جغرافي في الضفة الغربية تم تأجيله إلى الاتفاق الدائم، أي أيام المُخلص".
عند عودته من كامب ديفيد، أعلن باراك عن أن المؤتمر فشل لأنه "لا يوجد شريك". وهذه العملة اللغوية اصبحت منذ ذلك الحين الاكثر استخداما من قبل نتنياهو واليمين. ومن جهة اخرى – لغم قاتل في طريق معسكر الوسط – يسار. الداد يانيف الذي كان مستشار باراك في حينه قال عني إنني عندما استمعت إلى هذا التصريح البائس قفزت كمن لدغته أفعى، وقلت له "هل جننتم؟ أنتم تتسببون بنشوب انتفاضة". بعد فترة قصيرة، فعليا، اندلعت الانتفاضة الثانية وتسببت بقتل أكثر من ألف إسرائيلي (مدنيون وجنود) وآلاف الضحايا في اوساط الفلسطينيين. تصاعد الانتفاضة ادى إلى اندلاع احداث تشرين الاول 2000 في المناطق العربية في إسرائيل، التي قتل فيها 13 مواطنا عربيا. هذه الاحداث أوجدت شرخ عميق بين الجمهور العربي والجمهور اليهودي بشكل عام، وبينهم وبين حزب الله بشكل خاص. وهذا الشرخ لم يلتئم حتى الآن.
في العام 2007 استبدل باراك عمير بيرتس كوزير للأمن في حكومة اولمرت. وخلافا لسلفه عارض باراك بشدة عملية امنية لها أهمية كبيرة. وفقط تصميم إيهود اولمرت هو الذي أدى إلى حدوث العملية ونجاحها، وبذلك تم القضاء على تهديد وجودي على إسرائيل. وفي العام 2008 تسبب باراك باقالة إيهود اولمرت قبل تقديم لائحة اتهام ضده. وفي تلك الفترة كان اولمرت أمام انطلاقة نوعية في المفاوضات مع محمود عباس، لكن باراك اعتقد أنه يمكنه تشكيل حكومة بديلة برئاسته أو الفوز في انتخابات 2009، التي فيها تحمل الخسارة الأكبر في تاريخ حزب العمل.
بعد الانتخابات فضل باراك تنصيب نتنياهو رئيسا للحكومة، بدل اقامة معسكر وسط مع كديما برئاسة تسيبي لفني. وأصبح بذلك الاكثر ولاء لنتنياهو من الناحية السياسية. حكومة نتنياهو – باراك تميزت بالجمود السياسي وتوسيع البناء في المستوطنات، لا سيما خارج الكتل الاستيطانية. وكان باراك شريكا في مغامرات نتنياهو حول قصف المفاعل النووي في إيران، الأمر الذي تم تجنبه بفضل معارضة اثنين من رؤساء الاركان واثنين من رؤساء الموساد ورئيس الشباك. وعندما كان هناك خطر خروج حزب العمل من حكومة نتنياهو، لم يتردد باراك في تفكيك حزب العمل واقامة حركة مع اربعة مستقيلين آخرين، واستمر في خدمة نتنياهو وتقوية حكومته.
كلمة واحدة عن لبنان: قرر باراك وبجرأة، عندما كان رئيسا للحكومة، الانسحاب بشكل أحادي الجانب من جنوب لبنان، رغم معارضة رئيس الاركان وقائد المنطقة الشمالية. ولكن في أيار 2000 طلب قائد المنطقة الشمالية غابي اشكنازي الخروج بشكل منظم، وأكد على أن جيش لبنان الجنوبي قد ينهار في أي لحظة. ولكن باراك رفض. جيش لبنان الجنوبي انهار، والانسحاب غير المنظم للجيش الإسرائيلي تم اعتباره في نظر أعدائنا وفي إسرائيل مثابة هروب من لبنان. إن خدعة أن باراك يستطيع احضار اصوات من اليمين المعتدل، وأنه يمكنه التوسط في اتفاق سياسي بعيد المدى، ليس لها أي دعامة تستند اليها. الأمر الملفت هو أن عدد من التغريدات الناجحة من باراك ضد نتنياهو دفعت البعض إلى التخيل أن هناك باراك جديد. وهذا يؤكد فقط على أن المعارضة ضعيفة، ولا سيما حزب العمل. ويبدو أن اليأس من الواقع السياسي هو الذي يجعلهم يريدون السماح لباراك بأن يضرب مرة ثالثة.

التعليق