إبراهيم غرايبة

التنمية حرية

تم نشره في الأربعاء 21 حزيران / يونيو 2017. 12:06 صباحاً

يقدم أمارتيا صن الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد رؤيةً لمفهوم التنمية والتطوير قائمة على الحرية، فالتنمية يمكن النظر إليها باعتبارها عملية توسع في الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الناس، وفي حقيقتها هي إزالة مصادر افتقاد الحرية كالفقر، والاستبداد، وشح الفرص الاقتصادية، والحرمان الاجتماعي، والغلو والتطرف، وإهمال المرافق العامة. ويلاحظ أن نقص الحريات مقترن مباشرة بالفقر الاقتصادي الذي يسلب الناس حقهم في الحرية والحصول على حاجاتهم الأساسية، وفي أحيان أخرى يكون افتقاد الحريات مقترناً بضعف المرافق العامة والرعاية الاجتماعية، مثل برامج مكافحة الأوبئة، أو الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية.
الحرية أمر أساس لعملية التنمية لسببين: سبب قيمي، فتقييم التقدم يتعين أساساً أن يكون في ضوء بيانِ ما إذا كانت حرية الشعب تحظى بالتأييد والمساندة، والفعالية، فإنجاز التنمية والتطوير يتوقف بالكامل على الفعالية الحرة للشعب. هكذا ببساطة فإننا يجب أن ننظر إلى السياسات والأحداث والتشريعات بمقدار ما تمنحنا من حرية أو تزيد الحريات المتاحة، وهكذا أيضاً يمكن فهم التقدم والتخلف وإلى أين تسير المجتمعات والدول، بتقييم الحالة والظواهر الاقتصادية والدينية الجديدة المحيطة بنا، إن كانت تمنحنا مزيداً من الحرية أو تسلبنا حقاً ومستوى من المعيشة ونوعية الحياة كنا نحصل عليه.
إن قدرة آلية السوق على الإسهام في تحقيق نمو اقتصادي كبير وفي التقدم الاقتصادي في عمومه تعتمد كما يقول آدم سميث على كونها جزءا مكملا للحريات الأساسية التي يحق للناس أن يصدروا تقييما بشأنها. كذلك فإن الوقوف بشكل عام ومطلق ضد السوق لن يقل شذوذا وغرابة عن الوقوف بشكل عام ومطلق ضد المحادثات بين الناس، فحرية تبادل الكلمات والسلع والهدايا ليست في حاجة إلى تبرير دفاعي تأسيسا على ما لها من نتائج مواتية وإن كانت بعيدة، إنها جزء من وسيلة أو أسلوب حياة الناس في المجتمعات وللتفاعل فيما بينهم.
ورفض حرية المشاركة في سوق العمل هو إحدى الوسائل لإبقاء الناس خاضعين للسخرة والعبودية، فحرية دخول الأسواق يمكن أن تكون بذاتها مساهمة مهمة في التنمية، بغض النظر عما يمكن أن تفعله أو لا تفعله آلية السوق لدعم النمو الاقتصادي أو التصنيع؛ فإن رؤية  كارل ماركس، وهو ليس معجبا بالرأسمالية، وتشخيصه في كتابه "رأس المال" للحرب الأهلية الأميركية، إذ وصفها بأنها من أهم أحداث التاريخ المعاصر، إنما يرتبط مباشرة بأهمية حرية عقد العمل كنقيض للعبودية والاستعباد القسري من سوق العمل.
وتشتمل التحديات الحاسمة للتنمية في كثير من البلدان النامية على الحاجة إلى تحرير العمل من السخرة الصريحة أو المقنّعة والتي تنكر على قوة العمل حق دخول سوق العمل الحرة، وكذلك فإن حظر الوصول إلى أسواق الإنتاج يندرج غالبا ضمن مظاهر الحرمان التي يعانيها كثيرون من صغار المزارعين والمنتجين المناضلين بسبب التنظيمات والقيود التقليدية المفروضة، وتسهم حرية المشاركة في التبادل الاقتصادي بدور أساسي في الحياة الاجتماعية.

التعليق