إبراهيم غرايبة

الفقر ليس فقط نقص الدخل

تم نشره في الخميس 22 حزيران / يونيو 2017. 12:06 صباحاً

يجد  أمارتيا صن (كتاب التنمية حرية) أسبابا جيدة للاعتقاد بأن الفقر ليس مجرد انخفاض الدخل، ذلك أن الحرمان من القدرات الأولية يمكن أن ينعكس في حالات مثل الوفاة المبكرة ونقص كبير في التغذية والمرض المزمن، وضعف التعليم واكتساب المهارات المعرفية.
ومن المهم في التحليل والدراسة للفقر إحداث نقلة في المنظور، لأن ذلك يهيئ لنا نظرة مغايرة عن الفقر في البلدان الفقيرة والغنية أيضا، ففي أوروبا يمكن إدراك مظاهر من الحرمان لا تنعكس في إحصائيات توزيع الدخل، وغالبا ما تخفي صورة مظاهر الحرمان هذه، نظرا لأن نظام الضمان الاجتماعي الأوروبي يميل إلى تعويض الخسارة في دخل المتعطل، ولكن البطالة ليست مجرد نقص في الدخل يمكن أن تعوضه الدولة مقابل كلفة مالية باهظة هي في ذاتها عبء خطير جدا، وإنما البطالة أيضا مصدر إضعاف بعيد المدى للحرية والمبادرة والمهارات الفردية، والمعروف أن للبطالة آثارا عدة، من بينها أنها تسهم في "الاستبعاد الاجتماعي" لبعض الجماعات، وتتسبب في شعور بفقدان الاعتماد على الذات والثقة بالنفس، بالإضافة إلى أضرار تصيب الصحة النفسية والجسدية. الحرية الأساسية هي الحياة والقدرة على البقاء بدلا من الوقوع ضحية الموت المبكر، وثمة حريات أخرى تعادلها أهمية، مثل نوعية الحياة، والمساواة.
وتشير قدرة الشخص إلى المجموعات البديلة المؤلفة من عمليات الأداء الوظيفي التي يراها الشخص مجدية له، وهكذا تغدو القدرة نوعا من الحرية، الحرية الموضوعية لإنجاز مجموعات بديلة من عمليات أداء المهمات الوظيفية.
ويفيد تراث راسخ في علم الاقتصاد بأن القيمة الحقيقية لمجموعة من الخيارات تتمثل في الاستخدام الأفضل الممكن لها، وكذا الاستخدام الفعلي لها ليبلغ السلوك أقصى مداه مع انتفاء الشك وعدم اليقين، ومن ثم فإن القيمة الاستعمالية للفرصة تعتمد على قيمة أحد عناصرها، بمعنى الخيار الأفضل والخيار الذي تحقق فعلا.
ويمكن استخدام الحرية التي تتجلى في بنية القدرة بأساليب أخرى مغايرة ما دمنا لا حاجة بنا دائما إلى مطابقة قيمة بنية مع قيمة العنصر الأفضل فيها، أو العنصر المختار، وإن بالإمكان أن نضفي أهمية على توافر فرص لم تجر الاستفادة بها بعد، وهذا اتجاه طبيعي يمكن أن نمضي فيه إذا كانت العملية التي تتحقق لنا النتائج من خلالها مهمة في ذاتها، ولنا في الحقيقة أن نعتبر الاختيار أداء وظيفيا قيما، فالصوم غير الجوع الاضطراري القسري، وأن يكون للمرء خيار في أن يأكل فهذا هو ما يضفي على الصوم قيمة، ويسبغ عليه معناه، أي اختيار عدم تناول الطعام مع قدرة المرء على تناول الطعام إذا شاء.
وتمثل الاحتياجات الاقتصادية في بلدان العالم الثالث قوة ترجح بالضرورة أية مزاعم أخرى، بما في ذلك مزاعم دعاة الحرية السياسية والحقوق المدنية، فإذا كان الفقر يدفع البشر للقيام بأعمال خطيرة، مثل محاولات جمع العسل من غابات سوندربان في بنغلاديش المحمية لأجل الحفاظ على النمور الملكية الشرسة فيها والتي تقتل كل عام خمسين بنغاليا على الأقل.
وقد يبدو من شاذ القول أن نركز على مسألة حريتهم الشخصية وحريتهم السياسية، وتمضي الحجة لتقول يجب أن تعطى الأولوية يقينا لاستيفاء المتطلبات الاقتصادية حتى إن انطوت على حل وسط للحريات السياسية، وليس عسيرا أن ندرك أن تركيز الاهتمام على الديمقراطية والحرية السياسية ضرب من الترف لا يتحمله بلد فقير.
تسمع مثل هذه الآراء: لماذا القلق بشأن نقاد الحريات السياسية إذا سلمنا بكثافة تأثير الضرورات الاقتصادية؟ لكن هل هو أسلوب مقبول فعلا أن نتناول المشكلات والاحتياجات الاقتصادية والحريات السياسية في ضوء تقسيم ثنائي أساسي من شأنه كما يبدو أن يقوض صلة الحرية السياسية بالموضوع بحجة أن الاحتياجات الاقتصادية أشد إلحاحا؟

التعليق