خطاب التجديد الديني: مع/ ضد

تم نشره في الخميس 22 حزيران / يونيو 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

قبل الخوض في مسألة التجديد الديني على المستوى المفاهيمي، وتلك الإشكالات التي أحاطت به منذ اللحظة الأولى التي انْتُبِهَ فيها إلى ضرورة مراجعة المُدونة الدينية بصيغتها الإسلامية، لما لتلك المراجعة من أثر كبير في تقدّمنا ومواكبتنا لركب الحضارة الإنسانية. فكثير من متون تلك المُدونة كانت سبباً في ارتكاستنا الحضارية، لأنها ساهمت مساهمة حقيقة في انشداد العقل الإسلامي وانشداهه ناحية زمن ماضوي، لم يعد مجديا التعامل بآلياته لحلّ مشاكلنا الراهنة، بكل حمولاتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية...الخ.
إذاً، قبل الخوض في مسألة التجديد الديني، لا بُدّ لي من التأشير على المرجعية الثابتة –في أغلب المحاولات التجديدية- التي ينطلق منها الخطاب التجديدي، لناحية أن الإشكال المعرفي الأساسي، هو في (الأعراض) التفسيرية/ التأويلية، وليس في (الجوهر) النصّي، بما يعني إلقاء اللوم على الناس وأفهامهم في الارتكاسة الحضارية التي صرنا إليها، على اعتبار أن الانطلاقة الحضارية الإسلامية اعتمدت بشكلٍ جوهري على النصّ المُؤسِّس؛ لذا سيكون صعباً استبعاد هذا النص من أيّ مقاربة حضارية جديدة. بل إنْ كل ما نحتاجه هو تشذيب الأفهام القديمة حول النصّ، ومحاولة الخروج بخطابٍ ديني جديد، لا يتطاول على المُسلّمات واليقينيات التي أسّست للمسلم في هذا العالَم، بل إن مسعاه الأخير، هو تأكيد عُمق النصّ المُؤسّس وإضفاء طابع طهراني عليه، بما يجعله في منطقة خارج النقد، فالعقل أقل شأناً من أن يُطاول قداسة هذا النصّ العالي، ويُنزلها إلى الأرض، فتختلط بالشوائب والهائمات البشرية.
وقد كان لهذه المعادلة المبدئية، معادلة: (تجديد الأعراض التفسيرية/ تثبيت الجوهر النصّي)، أن تأخذ بُعداً يكاد يكون ثابتاً في حركة التجديد الديني التي كانت حمولتها الكبرى في المنطقة العربية في القرنين الأخيرين، وإنْ كان لبعض المناطق الأخرى مساهمات في هذا الشأن، كما حدث في إيران أو بعض دول جنوب شرق آسيا أو في أفريقيا. فغالبية الحراك التجديدي الذي طاول الحالة الدينية، بقي في منطقة (الأعراض) ولم يصل إلى (الجوهر)؛ لذا أمكن وصف الكثير من الحراك التجديدي بأنه حراك تطميني لا حراك تثويري، أي أنه حراك يُطمئن مشاعر المتدينين، وليس حراكاً يشتغل على فكرة تفعيل العقل وإعمال أدواته النقدية في جسد النصّ المُؤسّس وتفكيكه تفكيكاً معرفياً، يُفضي إلى مواضعات جديدة، تنسجم مع الشرط المعرفي الذي وصل إليه هذا العقل في وجوده الزمكاني.
لكن، بعيداً عن الاشتغال على موضوعة تفكيك النص المُؤسِّس، والبقاء في موضوعة التجديد الديني، كما تجلّت في القرنين الأخيرين، سأشير إلى نمطين من هذا التجديد، سيكشفان عن المفاهيمية التي يتحرك ضمن نسقيتها خطاب التجديد الديني في عموميته، بما يجعل من ثنائية (مع/ ضد) ثنائية ذات حضور بارز، ليس في مواضعات هذا الخطاب فحسب، بل في استقبال الجماهير لهذا الخطاب أيضاً، فهي إذ تتخذّ وضعية (مع) بشأن أحد شقّي هذا الخطاب فإنها تتخذ أوتوماتيكياً وضعية (ضد) مع الشقّ الآخر من هذا الخطاب، رغم الأساسات المُشتركة أو الأصول الثابتة، لطرفي هذه، بما يدخل الناس في حالةٍ من الجدل الدائم حول أحقّية جزء من هذه المعادلة وبطلان جزء آخر منها. ولربما –إذا لم يدخل هذا الجدل مرحلة التصفيات الشخصية والحَجْر على الحريات- أسهم هذا الجدل مع مرور الزمن في خلق حالةٍ معرفية تتجاوز الخطاب –أعني على المستوى الجمعي- وتصل إلى النصّ ذاته، وطرح سؤال الجدوى بإزائه طرحاً استقصائياً بالأحرى.
إذاً، ثمة استقطاب من نوعٍ ما (= مع/ ضد) فيما يتعلق بمقاربات الخطاب الديني، ولقد ظهرت بواكير هذا الاستقطاب من اللحظة الأولى التي شقشقت فيها شمس ما اصطلح عليه بسؤال النهضة العربية. فالخطاب الديني، في جوهره، خطابان:
واحد لم يحافظ على الأصل الديني كما ورد في النصّ المُؤسِّس فقط لا غير، بل وعلى الأفهام القديمة التي قاربت هذا النصّ ومنحته مفاهيمية في الأذهان والأعيان، أي أنها حافظت على لحظتين زمانيتين؛ واحدة متعلقة بالنص المُؤسِّس وأخرى متعلقة بتلك الأفهام التي قاربته، ومنحتهما –أي تلك اللحظتين الزمانيتين- صفة الإطلاق، بما جعل من عبورها إلى الزمن الحاضر عبوراً سهلاً من ناحية ومرغوباً من ناحية ثانية. وضمن سياقيات هذا الخطاب الذي تفاعلت أنساقه على مدار عصر النهضة العربية الحديثة، لم نرَ حضوراً للنصّ الديني الذي تأسّس عليه الإسلام فقط، بل ولثلّة من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء والشيوخ أيضاً (كالأئمة الأربعة والبخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن تيمية وأبي حامد الغزالي وابن كثير...الخ) الذين أضفوا وجودهم وثقافتهم على ذلك النص وجعلوا منه حجر رحى تدور حوله بقية المعارف، أياً كانت صيغتها.
وثانٍ حافظ على النصّ المُؤسِّس لكنهم قالوا بضرورة القطع مع الأفهام القديمة، إلا تلك الأفهام التي قالت بضرورة تقديم العقل على النقل، التي بدأت بأشخاص كالجعد بن درهم وغيلان الدمشقي وتوطدت على يد المعتزلة ثم تجلّت تجلّيها الأخير في المدرسة الأندلسية التي بلغت مداها على يد ابن رشد. ولقد كان لهذا القطع من جهة والوصل من جهة ثانية أن يُوقع مواضعات هذا الخطاب في إشكالٍ منهجي مبدئي، فهو إذ يمنح النصّ المؤسّس صفة إطلاقية، ويمنع هذه الصفة عن أفهام نمط بعينه من التفكير القديم، لناحية عدم قدرتها على مواكبة تطوّرات عصورنا الآنية؛ ثم يعود ليمارس هذه الإطلاقية مع أفهام بعينها، بما يجعل منها وكأنها حاضرة في زماننا وقادرة على فكّ ألغازه؛ فإنه يمارس الدور ذاته الذي يمارسه الخطاب الأول، ويشتغل على الوتر ذاته، لذا ثمة تشابه في العزف، بما يجعل من معادلة (مع/ ضد) معادلة مُتساوية في استحقاقاتها الذهنية. فالذهن لا يُقاتل على جبهة الزمن الحاضر بقدر ما يقاتل على جبهة الزمن الماضي، فهو إذ يخوض حرباً مبدئية لغاية البحث عن مواضعات جديدة للنصّ المُؤسِّس فإنه يخوضها ليتأبّد في زمنٍ ماضوي، تجعل منه –بشكل مبدئي أيضاً- (مع/ ضد) لحظةٍ زمانية مَفْهَمَت النصّ المُؤسِّس وفقاً لمقتضيات زمانها، لا وفقاً لمقتضيات الزمن المُطْلَق، بما يجعل من خطاب التجديد الديني خطاباً استقطابياً ابتداءً.
وهنا، سينشأ سؤال مُؤرّق: هل يمكن وصف خطاب التجديد الديني بأنه خطاب عبثي، ولا يرقى إلى مرحلة الإنتاج المعرفي الأصيل؟.
أنا أقول، قد يكون كذلك، أعني أنه خطاب عبثي، لكن قد تكون هذه العبثية واحدة من أبرز العبثيات اللذيذة التي اضطلع بها خطاب التجديد الديني مرحلة ما بعد ما اصطلح عليه بعصر النهضة، لسببين رئيسيين:
أولهما، أن إشكاليتنا الكبرى ليست "آنية" بل "ماضوية"، فجذر المأساة الحديثة مغروس في أذهان قديمة، تأسّست على الاستقطاب والحِدِّية والأحادية هي الأخرى؛ لذا فإنّ معادلة (مع/ ضد) هي معادلة قديمة، وتفكيك بناها يقوم أساساً على استحضار الزمان الذي ولدت فيه هذه المعادلة، ثمّ نسفها –بعد أن نصل درجة الإشباع- من أساساتها.
ثانيهما، متعلق بالأساسات التي تشتغل على (الأعراض) التي اشتغلت على (الجوهر النصّي). فحتى نُنتج خطاباً دينياً تجديدياً، ينبغي علينا الانتقال من مرحلة مقاربة الأفهام التي طاولت النصّ المُؤسِّس إلى مقاربة النصّ ذاته، وإعمال الشرط النقدي الآني فيه، بعيداً عن أية ارتهانات قديمة، والبحث –بحثاً استقصائياً كما أسلفت- عن جدواه في الاجتماع الإنساني، بكل ما تحمله كلمة جدوى من شفافية ووضوح، لأنّ أيّ مخاتلة أو مواربة أو عدم وضوح، سيُبقي على معادلة (مع/ ضد) حاضرة في الأذهان والأعيان، في حين أن سياق الشفافية والوضوح سيفضي إلى مساحة كبيرة من الحرية تضع كل ما من شأنه أن يُسأل موضع تساؤل. 

التعليق