"اهدنا الصراط المستقيم"

تم نشره في الأربعاء 21 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً
  • المصحف الشريف

د. محمد المجالي

هو الدعاء الوحيد الذي نقرؤه في صلاتنا، الوارد في فاتحة الكتاب، فنسأله تعالى الاستقامة، وأن يعيننا عليها، فالإنسان إنما خُلق لعبادة الله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وهو في هذه الحياة في ابتلاء، أن يصبر على عبادة الله تعالى، ويستقيم عليها، حتى يفوز بالرضوان، ويرجع إلى الدار التي أُخرِج منها، فكثيرة هي الأمور التي تشتت الإنسان وتصرفه عن الجادة، وتذهب به إلى الضلال والانحراف.
من هذه الأمور نفسه الأمارة بالسوء إن لم تكن واثقة بالله تعالى، وإن لم تكن على مستوى من العلم والبصيرة، ولا نقول بعصمة الإنسان ولكن إن اقترف ذنبا فيسارع إلى الاستغفار، وأن يتخلص من هذه العلائق التي إن استحكمت من نفسه أو تراكمت عليه فستعيق مسيره إلى الله أو أن يكون عابدا له. ومن الأمور أهل السوء عموما، خاصة الرفقة السيئة التي تغري بالمنكر، وتدفع الفرد إلى التمرد على الشرع والجرأة على الباطل، وأن يكون بعيدا عن صراط الله المستقيم. ومنها الشيطان نفسه الذي توعّد الإنسان بالإضلال والكفر والباطل عموما، وطلب من الله أن يمهله إلى يوم الدين، فأعطاه الله ذلك ضمن حكمته تعالى في ابتلاء الإنسان، ولكن هذا الشيطان لا يملك قوة فعلية، فغاية ما عنده هو الوسوسة التي يزيّن بها الباطل، وهذا الإغراء بفعل الذنب، وبالتالي يكون الانحراف عن الجادة.
وهذه الأمور الثلاثة تعمل جاهدة لتضل الإنسان وتدفعه عن العبادة الحقة لله تعالى، لتكون عبادة لشهوات أو مخلوقات أو هوى، فالإنسان عابد على كل حال، فلتكن عبادته للخالق لا للمخلوق، فكل شيء سواه مخلوق: "أفمن يخلق كمن لا يخلق؟"
لا بد من تهذيب النفس لتكون في مرتبة أعلى حيث النفس اللوامة التي تلوم صاحبها، إن فعل المنكر لمَ فعله، وإن تقاعس عن الحق لم تركه، وهكذا، وهذه نفس حية طيبة، والأجمل منها النفس المطمئنة التي بلغت بصاحبها حد اليقين بالله تعالى، ورضيت عن الله فرضي عنها: "رضي الله عنهم ورضوا عنه". ولا بد من التحصين فيما يتعلق بأهل السوء عموما، أن لا يسمح لنفسه بمرافقة الأشرار ولو كانوا من الأقربين، يدعوهم ويحسن إليهم، فإن علم منهم السوء فيتجنبهم، حتى لا يؤثِّروا فيه سلبا، ويخسر دينه وآخرته.
ولا بد من دفع الشيطان وأعوانه، فالشيطان لا يملك إلا الوسوسة، وتزيين الأمور والإغراء بها، وهو نفسه يعترف أنه لا سلطان حقيقيا له على الإنسان إلا أن يدعوهم فيستجيبوا له، قال تعالى: "وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان ليَ عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمُصرِخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتمون من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم"، فقد أوردهم موارد الهلاك، وبعد ذلك يتبرّأ منهم، فهم الذين عندهم القابلية لهذا الضلال حين لم يفقهوا غاية خلقهم، وفلسفة هذا الابتلاء الذي نحن فيه في هذه الدنيا.
من هنا كانت العبادة ملاذ الإنسان، وأن يستقيم عليها لله تعالى، بل يجعل حياته كلها في طاعة الله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرت وأنا أول المسلمين"، ومن حكمته تعالى أنه نوّع العبادة، صلاة خمس مرات في اليوم، وصيام شهر في العام، وزكاة تُدفع مرة في السنة، وحج يجب في العمر مرة، وذكر لله تعالى، وهكذا، فهي مواسم عبادة يراد منها أن تُبقي الإنسان على صلة بالله تعالى، بل ترتقي به إلى معاني الإحسان ومعية الله تعالى، واستشعار قربه ومراقبته، وهذه قمة العبودية لله.
لا يمكن أن نتخيل عبادة مؤقتة لا تأثير لها على حياة الإنسان، أن يكون ملتزما في رمضان ثم لا يلبث أن يغادر الطاعة بعد رمضان، كما لا يجوز أن أكون في المسجد ملتزما وخارجه إنسانا آخر! فمن رجا الله أن يعتقه من النار، ينبغي له أن يعيش هذا الشعور حقيقة فلا يقرب أي تصرف يعصي اللهَ فيه، بل يكون عنده الشعور الكامل بهذه النقلة الكاملة بأنه من أهل الله تعالى، فينعكس هذا كله عليه اعتقادا وسلوكا وأخلاقا، فغاية العبادات النهائية هي تعظيم الله وحسن تعامله مع البشر، بل مع الحيوان والبيئة.
إنها الاستقامة على الطاعة وعلى كل ما يحبه الله تعالى، استقامة فكرية وسلوكية ومعتقدية، وبهذا يكون أحدنا واثقا من نفسه أنه كما يحب ربنا تعالى، ولا شك أنه من الفائزين يوم الدين، فقد وعد الله من استقام على الحق أن يدخله الجنة.
تعاني أمتنا من فصام عجيب بين ظاهر الإنسان المسلم وباطنه أحيانا، وبين تصرفاته في أوقات العبادة وخارجها، وبين هذا الفصل بين العبادة والسلوك، فينبغي لنا جميعا –ونحن نودّع رمضان- أن نعلم أن الإسلام منظومة متكاملة من عقيدة وشريعة وأخلاق، والتشريع نفسه متكامل حيث علاقة العبد بربه (العبادات)، وعلاقته بغيره (معاملات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودولية)، وضمان أمن المجتمع حيث العقوبات والقوة الرادعة.
تعاني أمتنا من ثقل أتباع يحملون الإسلام بلا مضمون حقيقي ولا تفاعل مع بدهيات الدين، وبعض هؤلاء ممن يشوّه الدين بتصرفاتهم، وينعكس هذا على صورة الإسلام خاصة في أعين الآخرين، فيحكمون على الدين من خلال تصرفات هؤلاء.
لا بد من الفهم الصحيح الذي يقود إلى التزام صحيح بعيد عن الغلو والتطرف والتهاون والتفلت من هذا الدين، الذي أكمله الله ورضيه لنا، فحري بنا أن نعاهد الله ونحن في نهاية شهر عظيم على الاستقامة وحسن الالتزام، فنحن الذين نحتاج هذا الدين لننجو وليرفعنا، سواء في الدنيا أم في الآخرة.

التعليق