ماذا لو عاد المهاجرون...؟

تم نشره في الخميس 22 حزيران / يونيو 2017. 11:05 مـساءً

في كل مرة يجري الحديث عن العلاقات الأردنية الخليجية يبدي البعض مخاوفهم من احتمال أن يحدث ما يزعج جيراننا، ويتخذوا اجراءات تفضي الى عودة العاملين كما حصل العام 1990.
العامل الذي يتناساه الجميع، ونادرا ما يتطرق له البحث، يتعلق بالخسائر التي مني بها الأردن جراء هجرة الكفاءات الأردنية المميزة استجابة لإغراءات الرواتب والاجور في البلدان العربية الاكثر ثراء وقدرة اقتصادية. فالأردن الذي ينفق على تدريب وتعليم وبناء خبرات الاطباء والمهندسين والعلماء والمبرمجين والاساتذة والممرضين والشباب الاكثر طموحا ودافعية يخسر هؤلاء الشباب لاسواق العمل الناشئة والمتطورة في الاقطار العربية تاركين فراغا هائلا ونقصا حادا في الميادين والمجالات والمهن التي يحتاج لها اقتصاد الأردن الذي يعاني منذ ما يزيد على اربعة عقود.
 من الصعب اليوم ان تجد الأعداد الكافية من اطباء الاختصاص الذين تحتاج لهم المستشفيات، او تغطية النقص في اساتذة الجامعات القادرين على ادارة وتنفيذ برامج الدراسات العليا، او خبراء الكمبيوتر والبرمجة والميكانيك، او ما يكفي من  الممرضين والفنيين  بعد ان غادر غالبيتهم  البلاد تاركين السوق الأردنية للتلاميذ والمبتدئين وبعض الكفاءات من أشخاص لم تسمح لها ظروفهم أن يكونوا في صفوف الجاليات الأردنية الطامحة في الاستمتاع بحياة اكثر رخاء واقل اعباء من الحياة التي قد يواجهونها على ارض موطنهم.
الأردن الذي يشتمل على اكثر من ثلاثين جامعة وأسهم مبكرا في جهود نشر التعليم، وأجريت في مستشفياته اولى عمليات زراعة القلب، وشكل مركزا لتدريب طلائع الرجال والنساء العاملين في مؤسسات الدول الشقيقة، يعاني اليوم من نقص حاد في بعض الاختصاصات والمهن. وزارة الصحة تشكو من قلة اطباء الاختصاص، والجامعات تكرر الاعلان عن حاجتها لاساتذة بخبرات اوسع واعمق لإدارة برامج الدراسات العليا، ومؤسساتنا الصحفية وإعلامنا خسر من افضل كفاءاته الموهوبة لمحطات العالم العربي والشبكات العالمية، وهجرة العقول أجبرت صناع القرار على اعادة استخدام بعض الكهول او استقدام مدراء لمؤسساتنا الريادية من اوروبا وبعض دول العالم.
قبل عقدين من الزمن كان الأردن يطمح ان يحتل المركز الاول في التكنولوجيا والبرمجيات لغرب اسيا. ولهذه الغاية تبنت الدولة مفاهيم اقتصاد المعرفة وجرى تطوير نظام التعليم وتوسعت المدارس في استخدام الكمبيوتر لنجد اننا اهملنا اساسيات القراءة والكتابة وبعض المعارف التي حافظت على مكانة النظام التعليمي الأردني بين النظم العربية الاخرى.
  الأردن الذي كان له السبق في التعليم والتنظيم والتنمية، خسر الكثير من خصائصه التنافسية بعد أن جرى تفريغ هياكل مؤسساته من الكفاءات بفعل الهجرة.  افضل الكفاءات والقوى البشرية عالية الموهبة والتدريب غادرت مواقعها بفعل الظلم الواقع عليها او الجذب والاغراءات التي قدمتها مؤسسات الدول المضيفة.
بعض المتحمسين والمدافعين عن هجرة العقول الأردنية يرون ان في الهجرة فوائد ليس أقلها تخفيف حدة البطالة والمساهمة في دعم الناتج القومي متجاهلين الآثار الناجمة عن خسارة البلاد والمجتمع والاقتصاد لأكثر الشرائح قدرة على التنمية والتحديث والتغيير.
استمرار هجرة الكفاءات والخبرات الأردنية استنزاف لقدرات وموارد وامكانات البلاد، وهي السبب الرئيسي لفقدان المجتمع للطاقة الخلاقة والروح المغامرة والطبقة التي تتجاوز رؤية أفرادها حدود المكان والواقع المعاش إلى الآفاق الأبعد. بقاء الأردنيين على الأرض الأردنية يخلق مجتمعا حيويا متجانسا مستقرا قادرا على الإبداع والتغيير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مهن تختلف عن الاخرى (نادر)

    الجمعة 23 حزيران / يونيو 2017.
    النقص في بعض المهن في الوظائف الحكومية ليس بسبب هجرتها الى خارج الاردن بل لان الوظيفة الحكومية مقبرة للابداع، واسوق مثالا على ذلك مهنة الطب. فاطباء الاختصاص الناجحين لا يشتغلون في الوظائف الحكومية ولا يهاجرون خارج الاردن لان عملهم في القطاع الخاص انجح وافضل من عملهم في الخارج. وانا اعرف بعض الاطباء الذين ولدوا ودرسوا وعاشوا خارج الاردن ثم عادوا للعمل في القطاع الخاص في الاردن لانهم وجدوه افضل من العمل في الخليج وغيره. اعتقد ان الكثير من العاملين في مجال الكمبيوتر في الخليج سيعودون الى الاردن قريبا ليس لسبب سوى انشاء شركات خاصة بعد ان فهموا سوق الخليج اثناء عملهم فيه. اتوقع ازدهار هذا القطاع في الاردن في القريب العاجل ان شاء الله