إبراهيم غرايبة

في الاستدلال على الفشل أو النجاح

تم نشره في الجمعة 23 حزيران / يونيو 2017. 11:09 مـساءً

عندما ترى أعداداً كبيرةً من أبناء الطبقة الوسطى وأصحاب المهن المتقدمة يهاجرون خارج بلادهم، فهذا مؤشر خطر، ما يعني أن هؤلاء المرشحين للتقدم المهني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي لا يجدون فرصة، وأن التقدم في الحياة العامة والاقتصادية لم يعد قائماً على منافسة عادلة وفرص كافية للتقدم، وأن الأمور تسير من سيّئ إلى أسوأ، لأنه وببساطة سيقود المؤسسات العامة والاقتصادية والمهنية جيل من الفاشلين والفاسدين! والعكس صحيح أيضا فعندما تجتذب البلاد والأسواق والمؤسسات أفضل الكفاءات فذلك يعني أن الحال مرشحة للازدهار.
في مرحلة سابقة في الأردن كانت الهجرة لأجل العمل أو الإقامة في الخارج تقتصر على محدودي الفرص أو مستثمرين ومغامرين، وعندما زاد الطلب على العمالة الماهرة والمتعلمين في سبعينيات القرن العشرين بذلت الحكومة جهوداً تنظيمية وقدمت حوافز لمواجهة التدفق إلى الخارج، منها المنع من السفر لكثير من الفئات إلا بموافقة مسبقة، وعدم الموافقة على استقالة الموظفين وبطبيعة الحال المنع من السفر إلا بعد أن يمضي أحدهم أربع سنوات على الأقل في الخدمة، وكان الإعلام ينتقد الظاهرة (الهجرة الى الخارج) باعتبارها مناقضة للوطنية والانتماء، لكنها اليوم (الهجرة) تبدو إنجازاً وطنياً تتحمس له الحكومة كما المجتمعات وتتحدث المؤسسات العامة ووسائل الإعلام عن تصدير الكفاءات وتسويقها في الخارج منتشية بالإنجاز الوطني الاقتصادي.
ليس الحديث عن الإصلاح هنا باستهداف الهجرة الى الخارج ولكن بالنظر إليه مؤشراً يستدل به على حراك السوق والمجتمعات، فما تقودنا إليه الظاهرة هو كيف نصلح البيئة المحيطة بالحياة والعمل والأداء العام بحيث تكون الهجرة استثناء وليس أصلاً أو ظاهرة طبيعية يظن أنها إنجاز.
ماذا يعني على سبيل المثال أن العمل في قطاعي البناء والزراعة في الاردن يكاد يكون عمالة وافدة؟ كيف يمكن الحديث في ظل عمالة وافدة في الزراعة والبناء عن إصلاح الثقافة والتخطيط الحضري والاجتماعي؟ ففي هذا الغياب تغيب العلاقة مع المكان، وتنتهي رواية الانتماء إلى المكان والطبيعة والجبال والسهول والأودية والبوادي والغابات والزهور... وهي الثقافة المنشئة للدول والحضارات على مدى التاريخ والجغرافيا. هكذا تصاب الهوية الوطنية والثقافة الجامعة للناس وعلاقتهم بالمكان والمجتمع والتاريخ بضربة قاصمة، إذ يتحول المكان إلى مجرد سلعة مثل الأدوات المنزلية المستوردة على سبيل المثال.
وتغيب أيضاً التجمعات الحضرية والاجتماعية حول الزراعة، ولا يعود ثمة حاجة للإقامة في البلدات والمناطق الزراعية لأنها لم تعد مورداً اقتصادياً، وتكون الإقامة فيها كما هي الحال لمن لا يستطيع الإقامة في العواصم والمدن الجاذبة للأعمال، والعلاقة بها مجرد مأوى يقصده أصحابه العائدون من المدن في المساء المتأخر كل يوم. وتغيب، بطبيعة الحال، المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المرتبطة بهذه البلدات، كالنوادي والمكتبات والجمعيات والتعاونيات.
ولا يمكن أيضاً تطوير الزراعة لتواكب التقنيات الزراعية العالمية، ولا أن تنشأ حولها صناعات أخرى تعظم قيمتها، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والجلود والأحذية والعطور والأثاث، لأن هذه المشروعات تنشئها مراكز حضرية ونخب وقيادات اقتصادية واجتماعية متوطنة في هذه المراكز ومرتبطة بها، وتتشكل وتتطور في تراكم طويل ومعقد ومليء بالتفاصيل والخبرات والتجارب القائمة على معايشة وعمل يوميين، ومبادرات ومغامرات لا يمكن بطبيعة الحال للعمالة الوافدة أن تفكر فيها.
والأمر ذاته يمكن ملاحظته في أعمال واقتصاديات البناء، فتطوير الحرف والعمارة على النحو الذي يوثّق علاقة الناس بالبيوت والمدن والأحياء والتفاعل مع البيئة والطبيعة المحيطة لا يتحصل بغير منظومة متراكمة من العمل والتقنيات المتصلة بها وهو ما لا يمكن الحديث عنه في ظل الهجرة المتواصلة للكفاءات الهندسية والحرفية واستقدام العمالة الوافدة.
مرة أخرى فإن فكرة المقالة ليست النظر إلى الهجرة وتوطين العمالة باعتبارها هدفاً مباشراً، على أهمية ذلك، ولكن على أنها مؤشر على البيئة المحيطة والمنظومة السياسية والاقتصادية لملاحظة إن كانت تعمل باتجاه النمو أو العكس، وفي حالة كون الأرقام تؤشر على النمو فهل تستفيد من هذا النمو غالبية الناس أم فئة قليلة؟

التعليق